07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي
الجزء ٨ · صفحة ١١٧والإسلاميّة، إضافة إلى تحصيل قدر من العاميّة … "(1).
إذا كانت اللّغة العربية قد كسبت الصّراع اللّغوي، وحازت على الرّهان، بدليل سبقها إلى خوض مجالات البحث المختلفة، ونيل الرّيادة في المراسلات الدّولية، والفوز بالتّقدّم في العلاقات المختلفة لمظاهر الحضارة في العالم … ألا يكون ذلك محفّزًا على استرجاع هذه القوّة الكامنة؛ بإقحام أبنائها لها من جديد في هذه الحقول، والخوض بها في مسيرة الفكر العالمي، حتّى تُبقِيَ على عالميتها، التي هي في كمون وهمود، وسكون وخمود، إلى أن يعمل أبناؤها على بعث قوّتها من جديد. التي قال عنها الدّكتور إبراهيم بن مراد: " … وقد ظلّت اللّغةَ العلميّةَ والثّقافيّةَ الأولى حوالي خمسة قرون أو تزيد، تحمل معها خلاصة الفكر الإنساني القديم في الثّقافة والعلم، وإسهام العرب في إثراء الحضارة الإنسانية في شتّى حقول المعرفة"(2).
هذه بعض الشّهادات التي تكشف عن قوّة اللّغة العربيّة، وهذه بعض الخصائص التي تبرز حقيقتها. وهي كلّها تقرّ وتظهر جدارتها في التّموقع مقعد اللّغة العالميّة، وتعترف بسعتها الكبيرة في حمل الفكر العالمي، وقدرتها على تطوير هذا الفكر، والسّير به أشواطًا بعيدة في خدمة الإنسانيّة خدمة شاملة، مِمّا يثبت حضور هذه اللّغة بقوّة في مسيرة الفكر الإنساني في كلّ مراحله. ولكن هل هذا الحضور موجود اليوم؟
يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: "كانت اللّغة العربيّة في القديم لغة عالمية، قد تصدّرت اللّغات المعروفة طيلة قرون كاملة، فكانت اللّغة العالمية الواسعة الانتشار بحقّ، قد حملت معها حضارة وفكرًا أصيلين، وأثّرت في اللّغات القريبة منها والبعيدة عنها. وهي اليوم قاصرة تجهد نفسها، ويجاهد أهلها لتلتحق بالّلغات العالمية الكبرى، وتستعيد إشعاعها الماضي ومنزلتها القديمة ودورها الحضاري"(3).
بل إنّ كثيرًا من الدّارسين وعامّة النّاس يشكّكون في قوّتها، وفي قدرتها على مسايرة العصر في سرعة تطوّره، وكثرة مخترعاته، وحجم مستجدّاته، فأصبحوا يلقون أسئلة عديدة عن إمكانية قيام اللّغة العربيّة بدور اللّغة الحاملة للفكر والحضارة، والقادرة على التّواصل والتّبليغ، وبكلمة واحدة صريحة التّشكيك في عالميتها. يردّد
(1) -الدّكتور وليد العناني، " اللّغة العربيّة في أمريكا من الثّقافي إلى الأمني "، المصدر السّابق، ص: 296.
(2) - من قضايا اللّغة العربية المعاصرة، ص: 225.
(3) - المصدر السّابق، ص: 224.