16 الطرابلسي- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ودوره في جربة
الجزء ١٦ · صفحة ٢٦٣الدين السالمي وابن عمِّه الشاعر محمَّد بن شيخان وحشةٌ، واتَّهمه بتصدِّيه للفتوى بدعوى عدم أهليَّته لها، فخاطبه نور الدين بقصيدة مطلعها:
«خلِّ التعاطي في الفتا
وى واشعر فيمن شعر»(1)
ويبدو أنَّ القطب لم يكن يعرف أنَّ المتهم به هو صديقه الحميم الشاعر المعجب به - إذ لقَّبه بشيخ البيان - حتَّى أخبره بذلك، فاهتمَّ القطب لذلك كثيرا، وبعث إليه جوابا مؤرَّخا بأواخر ربيع الثاني سنة 1318هـ، يعترف له بفضله في الشعر والفقه ويقول: «حيَّا الله الرحمن، الشيخ محمدَ بنَ شيخان، الكاتب الشاعر، منهل الفقه للوارد والصادر [ … ] ولما وصلني [كتابُك] أَهَمَّني ما ذكرت جدًّا، وأختار لك أن تتمهَّل، وآمرك بالصبر، ولو قلَّ صبري، فإنَّ عاقبته محمودة، ولأَنْ يسمع الإنسان الإنسانَ أسلم له من أن يقول. [ … ] ولك دعاء الخير منِّي بإذن الله ما ذَكَرْتُ، ولستَ هيِّنا عندي، ولكن أردتُ أن يَظهَرَ فيك أثر قوله صلى الله عليه وسلم: "من تواضع رفعه الله"(2)». وفي نفس الرسالة خفَّف من فتواه الشديدة السابقة، ووضَّح رأيه قائلا: «ومن علم معاني الحروف ومصادر الأفعال وموازين الأسماء والنحو واللغة ومارس الفقه بالتعلُّم جاز له الإفتاء بما في الكتاب بترجيح، وإن لم يقدر على الترجيح رجَّح له قادر عليه، وجاز له الإفتاء للإنسان مطلقا بما حفظه من ثقة»(3).
ثم مضت الزوبعة لتعود القلوب إلى بعضها، فسرَّ بذلك الشيخ اطفيش وقال لهما: «أما بعد فسلام [ … ] على الشيخ العلم عبد الله بن حميد، حامدا الله عزَّ وجلَّ على ما سمعنا من رجوع الشيخ محمَّد بن شيخان بالصلح، وأنكما متحابَّان كأوَّل مرَّة»(4).
الخلافات السياسية:
لا تلبث - من حين لآخر - أن تنشب خلافات جديدة ذات طابع سياسي بين الأشقاء والتلامذة. نذكر لذلك مثالين:
(1) قصيدة من آخر مخطوط أرسله الشيخ السالمي للقطب، برقم: غ5. (مك. ق).
(2) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، رقم: 2588، 4/ 2001. ونصُّه: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ».
(3) كشف الكرب، 1/ 86.
(4) المصدر نفسه، 1/ 83 - 84. وتكرر في: 2/ 35.