08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٣٤رمزية النخلة
في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر (*)
أ /محمد أحمد جهلان
معهد اللغات والآداب ـــ المركز الجامعي غرداية
م
(1) مقدمة:
تعدُّ مقدرة الإنسان على خلق رموزٍ تقوم واسطة بينه وبين الأشياء من أهمِّ السمات التي تميِّزه عن الكائنات الأخرى؛ فبفضل هذه الوسائط استطاع أن يتجاوز التعامل مع العالم المادِّي بصورة مباشرة مكتفياً باستحضار ما منحه من رموز تقوم مقامه، ومع تطوُّر الوعي البشري أصبحت وظيفة الرمز، أكثر اتساعاً وتعقَّدت أبعادها فلم يعد ذا دلالة ثابتة بل أصبحت أبعادُه متنوعة لا تتحدَّد إلاَّ عبر السياق الذي ترد فيه. تتجلَّى هذه الظاهرة في الحقل الأدبي بصورة خاصة؛ فقد منح الأدباء الرموز اللسانيَّة أبعاداً أخرى متجاوزين بُعدها الرمزي المتواضَع عليه من أجل تجسيد رؤيتهم تجاه العالم المحيط بهم.
وإذا كان الإنسان ـــ كما يقال ـــ ابن بيئته؛ فلقد تغنَّى الشعراء قديما وحديثًا بعناصر مادية من الواقع المحيط بهم، وتطوَّر الاستعمال المتكرِّر لهذه العناصر لتكتسب صفة الرمزية ولتصبح جزءًا من زادهم المعرفي، وتمتزج بطينة تكوينهم الفكري؛ فلمَّا كانت حياة عرب الجاهلية في أغلبها حياة تنقُّل دائمٍ من ماء إلى ماء، ومن كلإ إلى كلإ، فإنَّ الشعراء كانوا يقِفُون على الأطلال ويستوقفون، ويبكون الديار الدارِسَةَ ويستبكون، تعلّقًا بها وحنينًا لأيامها الخوالي، حتى غدى افتتاح القصائد المطولات بالنسيب وبكاء الأطلال ظاهرة وَسِمَةً لصيقة بالشعر الجاهلي، واكتست العناصر الماديَّة كالطلل، والراحلة، والراح، معانيَ مختزِلةً لفيض عارم من التعابير، وتكثيفًا لغويًا لحقول دلالية لا يدرك معناها إلاَّ من تعمَّق في جزئيات حياة العربي الجاهلي واستكنه همومه وانشغالاته.
(1) (*) ـــ محمد بن صالح ناصر، باحث وأديب وشاعر جزائري، من مواليد القرارة ولاية غرداية سنة 1938م، درس في «معهد الحياة» على يد علماء بارزين في الحركة الإصلاحية، حائز على دكتوراه دولة في الأدب من جامعة الجزائر سنة 1983، اشتغل مدرِّسا في جامعة الجزائر 19 عاما، وفي معهد العلوم الشرعية بسلطنة عُمان من 1991 إلى 2002 … مُتفرِّغ حاليا للبحث والتأليف.