مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي

الجزء ٨ · صفحة ١٢١

بقيمتها ومكانتها، فيصدّ عنها ويسير في وجهة معاكسة لمسارها. ومن ثمّ لن يصدّق من يقول له: إنّ هذه اللّغة كانت عالمية، وستبقى عالمية، تحضن الفكر العالمي، وتنشر الثّقافة العالية، وتسهم في تطوير الحياة من حوله.

3 - تهميش المحيطِ اللّغةَ العربية عن الحياة العامّة:

تعاونت فئات كثيرة، وجماعات غير قليلة في تهميش اللّغة العربيّة في حياة المنتمين إليها، عن غير وعي أحيانًا، وعن جهل وسذاجة في أغلب الأحيان، وعن قصد وترصّد وسبق إصرار في كثير من الأحايين، وعن نيّة مبيّتة وتخطيط محكم للقضاء على هذه اللّغة في بعض الأوقات، وبعدها الإجهاز على الهويّة.

تعاون البيت والشّارع وبعض الهيئات المحسوبةِ رائدةً وموجّهةً وقائدةً للمجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وتضافر على خنق اللّغة العربية وخلق مشاكل لها المؤسّساتُ التّربويّة والتّكوينيّة، والجمعيات الثّقافيّة والرّياضيّة، وسفراءُ هذه اللّغة في المنتديات والتّجمّعات والتّظاهرات والاحتفالات … هل يمكن أن نقول مع الدّكتور عادل نوفل: إنّ اللغة العربيّة ومعها ثقافتها التي تنتمي إليها أصبحتا مهدّدتين بالانقراض، ومن ثمّ فلا مطمع في إسهامهما في تطوير الفكر العالمي، أو إيجاد مكان لهما فيه: " لقد أصبحت اللّغة والثّقافة العربيّتان مهدّدتين لدى أغلب شرائح المجتمع، إمّا لأسباب الأميّة والفقر وانحسار دور الدّولة، أو لأسباب ثورة الاتّصالات التي ربطت نخبًا معيّنة بثقافات خارجيّة، من خلال المدرسة والمربيّة الأجنبيّة والأنترنيت والأقمار الصّناعيّة … "(1).

ماذا يبقى للّغة العربيّة من مساحة تنشط فيها؟ وكيف لها أن تبرز في ظلّ هذا الحصار المضروب عليها بإحكام وتحكّم؟ وأنّى لها أن تتخطّى عتبات محيطها لتحلّق في الفضاء العالمي، وهي تعاني هذا القهر والحيف والظّلم في وسطها، حتّى غدت غريبة في دارها؟ فمن يقبلها وعاء للفكر العالمي وقد أهانها أهلها ونبذوها، ورفضوها حاويةً لفكرهم، وحاملة لثقافتهم، وحامية لشخصيتهم، وناقلة لمشاعرهم؟ ولنا أن نتساءل مع المتسائلين: ما هي مكانة اللّغة العربيّة ومكانها في ديارها؟ وما هو مستقبلها في أوطانها؟ وذلك قبل أن نبحث عن مكانها في العالم؟

4 - مزاحمة اللّهجات المحليّة للّغة العربية:

إنّ اللّغة العربيّة وجدت ضرّات كثيرة في ساحتها وفي حرمها، أضرّت بوظيفتها ورسالتها، واصطدمت بمزاحمة شديدة

(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 762.

١١٨ / ٣٢٩