07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي
الجزء ٨ · صفحة ١٢٢من طفيليات في فضائها الذي تتحرّك فيه، إنّها اللّهجات المحليّة التي ملأت حياة النّاس، وشغلت فكرهم، ومالوا إليها على حساب اللّغة العربيّة الفصيحة. بل تجاوز هذا إلى تبنّي مشروعات مدروسة لضربها وزحزحتها من الوجود، بإبعادها عن حياة النّاس. ويكون الخطر أكبر حين يكون التّدريس بها، حتّى فيما يتعلّق أو يتّصل بفروع اللّغة العربيّة نفسها، ويستفحل أكثر، حين تُستهدًف بالمناهج المسطّرة فئةُ الشّباب، الذين هم عماد المستقبل، ومحطّ آمال الأمّة في حمل مقوّماتها وقيمها. " عادة ما تصحب هذه الدّعوات مشروعات، تنال من اللّغة العربيّة، ويتمّ ذلك بالتّنسيق مع الجهات التي تكنّ عداءً للّغة العربيّة، وغالبًا ما تقصد الفئات الشّبانية، التي لا تكون محصّنة بالثّوابت والمقوّمات الحقيقيّة لشخصيتها. من أسلحة هؤلاء تقديم معلومات خاطئة عن تاريخيّة هذه اللّغة، ودخولها إلى أوطانها. وكثيرًا ما توصف بأنّها جاءت مستعمِرة، ومزحزحة للّهجات التي كانت سائدة قبل مجيئها، ومنها تزويد المغرّر بهم بمعلومات مشوّهة لطبيعة اللّغة العربيّة، وهي عدم صلاحيتها لمواكبة التّطوّر والتّقدّم، بل هي من أسباب تأخّر الشّعوب التي تتمسّك بها، إلى غير ذلك من الادّعاءات الباطلة الغادرة، والهجمات السّافرة … "(1)
يضيف الدّكتور عبد السّلام المسدّي همًّا آخر، يرتكبه المثقّفون، الذين هم الروّاد في نشر الثّقافة، والقدوة في السّلوك الحضاري، يتمثّل في مخاطبة الجمهور باللّهجات المحليّة كثيرًا، ممّا يرسّخ في أذهان المستمعين إليهم، وفي مدارك المتلقّين عنهم، أنّ ما يقومون به هو السّلوك الحسن، والطّريق الصّحيح، فيسيرون هم بدورهم في هذا الدّرب الضارّ باللّغة العربية. " إنّ المثقّف الذي يدير شأنه الفكري والأدبي والإبداعي بلغته القوميّة، وهو يخطّ ويكتب ويدوّن وينشر ويساجل، ثمّ إذا حاور أو ارتجل أو تحدّث عير أمواج الأثير أو على شاشات المرايا توسّل باللّهجة العامية، لهو مثقّف متواطئ على ذاته الثّقافية، ولا يعنيك منه ما قد يبدو عليه من نزعة المجهود الأدبي انسياقًا مع الكسل الذّهني، أو اتّقاء لركوب المحاذير، إنّه يهيّئ المشهد الأوّل من تراجيدية الانتحار الجماعي."(2)
يعضد الدّكتور عبد الله محمد
(1) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، "راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤولية أبنائها نحوها"، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 188.
(2) - مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، ص: 340. ينظر أيضًا ص: 341.