مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ١٤

القرآن الكريم، وأشدِها على النفس وقعا كلمةُ الحرب، إنَّها كلمة تنفر من مدلولها النفوس، وتأنف من سماعها الآذان، وتضجر من قراءتها العيون، في مختلف البلاد وعلى مرِّ العصور، لأنَّ الحرب أخطر ما يبيد البشرية فلا ترى لها من باقية، وأكبر ما يدمر المدنية فيترك عروشها خاوية، وهذا الذي نعرفه جميعًا من طبيعة الحروب، بل هذا الذي نشاهده بأمِّ أعينا ممَّا تركه من محن وخطوب، وإحن وكروب، من موتى ومعوقين، وأرامل وميتَّمين، وأيامى ومهجَّرين، وما تخلِّفه من دمار في البنى التحتيَّة من جسور وطرقات، وسدود وشبكات، وما تعقبه من تخريب في البيوت والممتلكات، وبخاصَّة وقد أصبحت الحروب اليوم تنقل على المباشر من ميادين القتال، وتخاض بمختلف الأسلحة الفتاكة، التيِّ يسمِّيها خبراء السِّلاح بأسلحة الدمار الشامل التيِّ لا تفرق بين بشر وشجر، ولا بين وحش وحجر، فما أقامه الإنسان في قرون عديدة، ينهار في دقائق معدودة، ومن ثمَّ قام العالم كلُّه معلنًا دساتير تناهض الحرب، ومواثيق تحظر السلاح، وعهودًا تدعو إلى السِّلم، ولكن أيَّ حرب يناهض وأيَّ سلم يناشد؟؟

أيُّها القارئ الكريم: لنتصفح معًا المواطن التيِّ وردت فيها كلمة الحرب في القرآن الكريم، ونتدبر سويًّا المعاني التيِّ استعملت فيها في آي الذكر الحكيم، فننظر من خلالها إلى ما عسانا نجتنيه من عبر، وما ترانا نقتنيه من فكر، حتى نحقق الحكمة من إنزاله كما أراده العزيز الوهاب بقوله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ولا نقع في وعيد شديد العقاب الذي ضمنه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾.

لقد وردت كلمة الحرب في القرآن الكريم أربع مرات على هذا الترتيب:

في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.

في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.

في سورة الأنفال في قوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ

١٢ / ٣٢٩