مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي

الجزء ٨ · صفحة ١٢٣

الغذامي هذا التّصرّف، ويضيف عنصرًا آخر في معضلة استعمال العامية على حساب اللّغة العربيّة الفصحى: " … غير أنّنا ــــ اليوم ـــــ صرنا نشاهد بروز اللّهجات المحليّة (العامية)، وكأنّها لغة ثقافيّة رسمية، وصرنا نسمع المسؤولين الكبار ونجوم المجتمع كالفنّانين والفنّانات والرّيّاضيّين يتحدّثون بالعامية. وفي هذا ضرر كبير؛ لأنّ هؤلاء يمثّلون رموزًا ونجومًا اجتماعية، يميل النّاس إلى تقليدهم في اللّباس والتّصرّفات وطرائق الكلام، وهذا يحسّن من شأن (العامية)، ويجعلها محبوبة ومقبولة، في حين تتراجع الفصحى إلى مقام خاصّ، ويجري تمثيلها عبر نماذج غير رمزية وغير نجوميّة."(1)

حين يغدو الوعاء هو اللّهجة المحليّة، وحين يكون رموز هذا الوعاء هم مثقّفون ونجوم المجتمع، وحين يكون الانجذاب إلى هذه اللّهجة كبيرًا … فماذا يبقى للّغة العربية الفصيحة من فضاء تدرج فيه؟ وماذا يكون لها من دور في تنشيط الحياة العامّة؟ وكيف تتحرّك اللّغة العربيّة وسط هذا المجال الموبوء في بيئتها. أنّى لها أن تقدّم شيئًا مهمًّا في رسالتها، فضلاً عن أن تتطوّر، أو أن تتقدّم خطوات إلى العالمية؟ وكلّ ما في محيطها يعاكسها، ويضايقها، أو يتخلّى عنها إلى وسائط وأوساط أخرى؟

5 - الافتتان باللّغات الأجنبيّة:

أخذ الولوع باللّغات الأجنبيّة مجرًى خطيرًا على اللّغة العربيّة، وصل حدّ هجران اللّغة (الأمّ)، بعد رميها بالعقم وعدم الجدوى في عالم اليوم. يكاد هذا الدّاء يعمّ كلّ القطاعات، ويصيب كلّ الفئات، حتّى التي لا تحسن النّطق باللّغة الأجنبيّة، ولا التّعامل والإفادة منها، المهمّ أن يكون ذلك تقليعة عصريّة (غير مدروسة)، وتكون برهانًا على التّقدّم والتّطوّر … والخطر يكون عظيمًا حين يحدث هذا في المؤسّسات التّربوية التّكوينيّة الموجِّهة المؤسِّسة للكيان، والمسؤولة عن وضع قواعد البناء والأركان. يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: "كما أنّ هذا الافتتان باللّغة الأجنبيّة أخذ نصيبه في قطاع التّربية والتّعليم، وصار الإنسان العربي يحرص على تعليم أطفاله اللّغات الأجنبيّة، وكانت المدارس الخاصّة سبّاقةً في ترسيخ هذا الاتّجاه، بل ذهبت إلى ما هو أخطر من ذلك، وصارت تقوم بتدريس المواد العلميّة بهذه اللّغة الأجنبيّة، وبهذا تمّ إقصاء اللّغة العربيّة، وإبعادها عن مكانتها

(1) - الدّكتور عبد الله محمد الغذامي، "اللّغة العربيّة في مواجهة تحدّيات القرن العشرين"، المصدر السّابق، ص: 352.

١٢٠ / ٣٢٩