07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي
الجزء ٨ · صفحة ١٢٨جعلتا منها في الماضي وعاء ثريًّا وقويًّا لبناء الحضارة الإنسانية، ومصدرًا كبيرًا للفكر العالمي، أعلامه وأقطابه يعرفون جيّدًا أنّهم وأسلافهم تعلّموا من هذه اللّغة، بروزُها بشكل قويّ من جديد يقوّض كلّ مخطّطاتهم، ويفسد كلّ مشروعاتهم؛ لهذا يرون أنّه لا مفرّ ولا مناص من محاربتها بكلّ الطّرق والوسائل. هاجسهم هذا مبنيّ على معطيات موضوعيّة، إلى جانب معرفتهم الكاملة بخصوبة هذه اللّغة وقدرتها على الإبداع والتّطوير، وهو ما يبزّ لغاتهم، إذا ما أتيح لها أن تتحرّك بحريّة وطلاقة، فهي لغة حوالي المليار من العرب والمسلمين، الذين يشكّلون رقمًا له وزنه في تحريك الحياة العامّة. أي إن العربيّة هي مرجعيتهم التي يلوذون بها في الصّدور في نشاطهم وحركاتهم. يقول الدّكتور عبد السّلام المسدّي: "إنّ هؤلاء المخطّطين الاستراتيجيّين يقرؤون للحقيقة الموضوعية حسابها. فاللّسان العربي هو اللّغة القوميّة لحوالي 270 مليون نسمة، وهو يمثّل إلى جانب ذلك بدون شكّ مرجعيّة اعتباريّة لأكثر من 750 مليون مسلم غير عربي، كلّهم يتوق إلى اكتساب اللّغة العربيّة بحذق ومهارة، فإن لم يتقنوها فلأنّها ليست لغتهم القومية، فإنّهم في أيسر الاحتمالات يناصرونها، ويحتمون بأنموذجها.
ثمّ إنّ اللّسان العربي حامل تراث، وناقل معرفة، وشاهد حيٌّ على الجذور التي استلهم منها الغرب نهضته الحديثة في كلّ العلوم النّظريّة والطّبيّة والفلسفية، وهو بهذا الاعتبار يخيفهم أكثر ممّا يخيفهم اللّسان الصّيني أو الهندي، ولا يغفل هؤلاء المهندسون الثّقافيّون السّاهرون على برمَجةِ الذّهن الجماعي في عصر الأمميّة والكونية عن الرّسالة الحضاريّة والرّوحيّة التي حَمَلت بها اللّغة العربيّة، وهم العارفون بأنّ التّماهي بين اللّغة العربيّة والهويّة لم يبلغ تمامه الأقصى في الثّقافات الإنسانيّة مثلما بلغه عند العرب بكلّ اطّراد تاريخي، وبكلّ تواتر فكري واجتماع ونفسي. "(1)
هذا الهلع من اللّغة العربية، يسوق الغرب بدافع الكراهية والحسد وحبّ السّيطرة والهيمنة … إلى اتّخاذ إجراءات عدائيّة، وارتكاب جرائم ثقافيّة في حقّ اللّغة العربيّة؛ حتّى لا تبرز في السّاحة الدّولية، بالشّكل الذي يهدّد مصالح الغرب، ويجهض مشروعاته. هذا تحدٍّ آخر خطير وكبير يواجه اللّغة العربيّة. يقف حاجزًا وعائقًا في طريق عالميتها، وحضورها في الفكر العالمي بقوّة.
(1) - الدّكتور عبد السّلام المسدّي، "الثّقافة العربيّة والعولمة من خلال أنموذج اللّغة "، كتاب مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، ص: 320.