مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

10 الباروني- نظرات في عوائق انتشار الفكر الإباضي

الجزء ١١ · صفحة ١٩٢

فأن يلتزم المؤرّخ في تأريخه وتعريفه بأيّ جماعة ما استقراء مدوّنتها ومصادرها فذاك موقف منهجي. أمّا أن يتحسّس نواميس الانتماء من مواقف اضطراريّة هي في الحقيقة ردود فعل على مواقف أولى ليعتبرها خروجا عن جماعة المسلمين(1)، فذاك موقف معياري. ومن ثمّ يكون خليقا بهذا الموقف أو هذه المقولة الّتي تدّعي للإباضيّة في الخارجيّة نسبةً، أن تتهيّأ بذاتها لأن تناقش وتُنقض.

3 - والسّبب الثّالث الّذي ساهم في خفوت الفكر الإباضي في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة المعاصرة ولاسيّما في أوساطنا العلميّة والثقافيّة، اطّراد الظنّ بأنّ الفكر الإباضي إنّما يستمدّ مبادءه وربّما شرعيّته من فكر الفرق الأخرى وعلى رأسها الفكر الاعتزالي(2). ولئن كانت العلوم الشرعيّة وعلى رأسها علم أصول الدّين وعلم الفقه من المجالات التّي بها تتميّز فرقة عن فرقة ومذهب عن مذهب، فإنّ الإباضيّة قد اختصّوا في نفس الوقت بأصول عقديّة وفقهيّة جعلت فكرهم على صعيد المبدإ والإجراء مستقلاّ وطريفا في خصوصيّة مقالاته سيّما بعد أن تمرّس أصحابه في الجدل والحجاج وتعمّقوا في النّظر والاستدلال، فكانت لهم مناظرات ورسائل عديدة(3). وليس من شكّ في أنّ اتّفاق بعض أصول العقيدة الإباضيّة مع أصول الفكر الاعتزالي والأشعري أو أنّ التّكرار لبعض الأصول ومحاكاة بعض الأنساق الكلاميّة بعضها لبعض، يدّلان على أنّ علم الكلام قد استقرّ

(1) -نشير هنا إلى موقف المحكّمة من عليّ حينما قبل التّحكيم.

(2) -واصل بن عطاء (ت 131/ 748) وعمرو بن عبيد (ت 144/ 761): هما المؤسّسان الأوّلان لمذهب الاعتزال. وقد نما الفكر الاعتزالي في القرنين الثّاني والثّالث للهجرة، وتبلورت أصوله الخمسة، وهي التّوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. ر القاضي عبد الجبّار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ط 2 تحقيق فؤاد سيّد، الدّار التّونسيّة للنّشر المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر 1986. 229 ر، فصل " معتزلة". دائرة المعارف الإسلاميّة باللّغة الفرنسيّة. الطبعة الجديدة م 7/ 789.

(3) 3 - ذكر هذه الرّسائل المبرّد في كتابه "الكامل في اللّغة والأدب". مكتبة المعارف بيروت، ج2/ 176 - 180.

١٨٩ / ٣٢٩