مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

10 الباروني- نظرات في عوائق انتشار الفكر الإباضي

الجزء ١١ · صفحة ١٩١

حاجة دوما إلى أن تمرّ عبر معرفة تراثه باعتباره أداة استكناه الحقيقة الموضوعيّة لأسسه ومضامينه.

1 - وأوّل ما قد يلوح لنا عائقا أمام إشعاع الفكر الإباضي، هو أنّ كثيرا من رجال البحث وروّاد الفكر قد ظلّ تصوّرهم للإباضيّة محصورا كلّيا أو جزئيّا بكتلة الخوارج. والخوارج بمختلف فرقهم(1) وإذ كان لهم مجال شاسع في مصنّفات الملل وحظّ الاهتمام الوافر من قبل المؤرّخين، فإنّ كلّ ما كتب عنهم يقصر عن أن يكون المفتاح الرّئيسي لإدراك منابت الفكر الإباضي ونواميسه، وفهم محرّكات أصوله في نسيجها المتفاعل مع الأحداث التّاريخية والسّياسيّة(2).

وقد كانت تلك الأحداث من أدقّ الضّوابط المحدّدة لحقيقة الوجود الإباضي وانبثاقه واقعا و فكرا. ولمّا كان العامل الدّيني – السّياسي في التّأريخ للإباضيّة ثابتا لا مناص منه، فإنّ الموقف المتدعّم إجمالا وهو القائل بخارجيّة الإباضيّة يعاكس المنزع السّياسي الّذي قامت عليه حركة هذه الجموع. ولعلّ في ذلك التّعاكس ما يجعل الموقف ينتقض من وجهة نظر التّاريخ والسّياسة والدّين.

2 - و يغدو على هذا الأساس أخطر ما يعوق فهم الفكرالإباضي على حقيقته وإعطائه من الاستقلاليّة والخصوصيّة ما يستحقّ هو على وجه التّحديد ما لابسه من خلط الحقائق وتحريف التّّّّّّّاريخ، تولَّّّّّدت عنهما جملة من المشاكل والمضائق أرهقت الجموع الإباضيّة فاستنزفت طاقات أصحاب الفكر منهم لإماطة الانتساب الخارجيّ عنهم

تمييزا لعقيدتهم عن عقائد الخوارج وماقامت عليه من مبادئ وأصول متعسّفة(3) وقطعا لذرائع الاستهجان والاتّهامات بالتّكفير والمروق. فلا مناص حينئذ من مراجعة حركة الفرقة الإباضيّة، السّلطان عليها مصادر الإباضيّة أنفسهم، وذلك بتعقّّب السّيرورة التّاريخيّة والسّياسيّة الّتي تخلّلت الوجود الإباضي.

(1) -انظر الشّهرستاني: الملل والنّحل: ج1/ 118 - 122 - 125 - 128 - 131 - 138.

(2) -نقصد بالأحداث التّاريخيّة والسّياسيّة أحداث " الفتنة الكبرى"

(3) -ممّا قامت عليه عقيدة الأزارقة (نسبة إلى نافع بن الأزرق ت65/ 684) على سبيل المثال: إباحة قتل أطفال المخالفين ونسائهم، تكفير القعدة عن القتال، وتكفير مرتكب الكبيرة كفر ملَّة وإخراجه عن دائرة الإسلام …

١٨٨ / ٣٢٩