مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

12 بابكر - القراض بالمحل التجاري وجهة نظر أخرى

الجزء ١٣ · صفحة ٢٠٢

والتكيِيفُ في هذا النوع من المضاربة أن الشَّركة ليست بين ثلاث: اثنان قدما مالا أحدهما قدَّم النقد والآخر قدَّم العقار وثالث قدَّم العمل. وإنما التكييف الصحيح ــــ في نظري ــــ أن الشركة هي بين ثلاث: واحد قدم المال، والاثنان الآخران قدما منفعة، فقدم أحدهما منفعة العمل وهو المضارب بالعمل وقدم الآخر منفعة المحل وهو المضارب بمنفعة المحل.

والأصل في المعاملات ــــ كما ذهب أكثر المحققين ــــ أنها من حقوق العباد، يغلبُ فيها التعليل وإدراك المعاني والحِكَم التشريعية والمقاصد التي راعاها الله تعالى في الأحكام، ويقلّ أو يَنُدر ما كان فيها تعبُّديا لا تُدرك حكمته، أو وجه المصلحة فيه. فالمعاملات مغيَّاة بمصالح العباد ومقاصد الشارع، والأصل فيها الإذن والإباحة والزيادة فيها والتوسع في أنواعها ما أمكن حتى يَدُلَّ الدليل على خلافه(1). وهي بخلاف العبادات المبنيّة على أصل التعبُّد وعدم التعليل. فالمأمور من العبد تجاه هذا النوع من الأحكام هو الوقوف عندها بعدم الزيادة فيها، والامتثال والانقياد والخضوع لله تعالى والتعبد بها له.

و المنهج الذي سأتبعه في هذا البحث هو أنه إذا كان الأصل في المعاملات ما ذكرنا من أنَّ كلّ معاملة الأصل فيها الإذن والإباحة، وليس المنع والتحريم، فإنَّ السؤال العلمي الذي يجب أن يُسأل في أيَّة معاملة: هو ما المانع شرعا من التعامل بمثل هذه المعاملة؟ فإن لم يكن هناك ما يمنع شرعا، بَقِيَ الحكم فيها على الأصل من الجواز والمشروعية. وسأورد أغلب الإشكالات التي يمكن أن تكون سببا للتحريم والمنع في مسألة المضاربة بالمحل، ثم أحاول الرّدّ والإجابة عنها، فإن وُفِّقت لذلك زالَ ما كنَّا نتصوَّره مانعا، وبقي الحكم على أصله من الجواز والمشروعية.

ولقد تَتَبَّعت أغلب ما يمكن أن يكون مانعا شرعيا من التعامل بمثل هذا النوع من الشركة فوجدت أنها منحصرة في ما يأتي:

الأمرالأول الذي يمكن أن يكون مانعا من جواز هذه المعاملة، هو أن الأصل في المضاربة أن الربح فيها يقسم على طرفين لا ثالث لهما، طرف رب المال بما دفع من ماله، وطرف العامل بما بذل من جهده واجتهد في إنماء المال(2).

الجواب عن ذلك ما تقدَّم، وما ذهب إليه أغلب الفقهاء المعاصرين، في أن الأصل في المعاملات المشروعية والجواز وحرية التعاقد وإنشاء ما يُراد من المعاملات

(1) (الشاطبي: «الموافقات» 1/ 284.

(2) (بشير بن موسى الحاج موسى: «القراض رسالة في صفة شركة المضاربة» ص 24.

١٩٨ / ٣٢٩