مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

15 شريفي - قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان - الحلقة 02

الجزء ١٥ · صفحة ٢٤٣

تكتمل الصورة، وحتى نستلهم الدروس مما يمكن أن يعد كذلك حسب تقديرنا ومن زاوية نظرنا.

يبدو لي أن المكانة العلمية العظيمة التي بلغها القطب في حياته مما ملأ بها نفوس طلبته وأقنع عقولهم بها، حتى أصبح يمثل لديهم أبا النهضة الإصلاحية والعلمية يعودون إليه في كل قضاياهم ويرون فيه الثقة والمرجع والملاذ الآمن، ورمز وحدة الأمة في وادي ميزاب، فكانت وفاته وغيابه فجأة سببا في أن يدخل وادي ميزاب في فترة فراغ قيادي ويعيش مرحلة قلق وتذبذب؛ يبدو أنه لم يستطع أحد من طلبته أن يسده رغم كثرتهم ورغم بلوغهم درجات عالية من العلم وتقلدهم مناصب سامية في القيادة والريادة والزعامة داخل المجتمع.

إن هذا الفراغ المفاجئ ولد بينهم نوعا من التنافس على وراثة هذه المكانة واعتلاء عرشها خلفا لشيخهم، وتمثيل المرجعية الدينية لوادي ميزاب، فعرف عهدهم تنافسا ونقاشا وصراعا واختلافا حول العديد من مسائل الدين والحياة.

نتج عن ذلك انقسام وادي ميزاب إلى فريقين متنافسين متخاصمين؛ حيث لم يستطيعوا أن يمنعوا حدوث هذا التصدع؛ بأن يقع بعض التنازل من كل طرف محافظة على وحدة الصف لأجل المصلحة العليا لوادي ميزاب، وأن تبقى اختلافاتهم في مستوى معين دون أن تتجاوزه لتتعدى الخطوط الحمراء.

من السلبيات الأخرى التي تحسب على طلبة القطب الذين تمكنوا من وراثة عرش شيخهم وحيازتهم على المرجعية الدينية لوادي ميزاب أنهم لم يستطيعوا أن يتقبلوا ظهور شخصية جديدة شابة على مسرح الأحداث؛ أوتيت مواهب عالية في عبقريتها وذكائها، وبرزت بقوة شخصيتها وفصاحة خطابها وقدرة تأثيرها في الجماهير، المتمثلة في إبراهيم بيوض.

هذا الشاب الذي لم يحظ بالتلمذة على يد القطب مباشرة، وإنما كان تلميذ تلميذه، فأنى له أن ينافسهم في هذه المكانة، وأنى له أن يفكر في قيادة وادي ميزاب.

هذا ما جعلهم يدخلون معه في صراع مرير شديد طويل، يعارضونه أشد المعارضة ويقفون في طريقه بكل ما أوتوا من قوة وبمختلف الوسائل المشروعة والممنوعة، ويردون أفكاره جملة وتفصيلا ويرفضون مشاريعه ومنجزاته، ويرون فيه أكبر خطر يهدد وادي ميزاب.

تسببوا بذلك في عرقلة مشروع النهضة الإصلاحية الجديدة التي قادها هذا الشاب، وأبطؤوا مسيرتها، رغم

٢٣٨ / ٣٢٩