مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

15 شريفي - قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان - الحلقة 02

الجزء ١٦ · صفحة ٢٥٠

الرعية ونفع المسلمين ونصره ويسر له مراده وجازاه على الإسلام خيرا. اعلم رحمك الله أن عروس الخافقين … »(1). ويقول مخاطبا السلطان بلا أي مقدمة: «الجواب: إن قوله: «مستبيح» بالجر نعت … »(2). وقوله: «الجواب: أنه لا يدرك الشفيع على المشتري»(3).

وما ذاك إلا لاعتقاد الشيخ أن الإمامة واجبة، وأن نظام السلطنة الموالي للإنجليز ليس من شيم الإسلام، وهو على دراية تامة بما تتلقاه جماعة أنصار الإمامة من مضايقات السلطان وولاته وأعوانه، ومن ولاء ذليل أمام القنصل البريطاني الموجود في مسقط، والذي يملي على السلطان كل ما يريد، ولا يتحرك هذا الأخير إلا باستشارته، ولا يوقِّع شيئا ذال بالٍ إلا بإذنه(4).

وهذا يدلُّ على تمسُّك الشيخ بمبدأَي الولاية والبراءة؛ لأن من مبادئ الإسلام - عموما، والإباضية خصوصا - الالتزام بالحكم الإسلامي الشوري العادل (حكم الإمامة)، وهو خلاف ما تجري عليه تقاليد تنصيب سلاطين عمان، المبني على الوراثة، ولو على حساب الكفاءة الدينية والخلقية والعلمية، وهو ما ينتقده أنصار النظام الإمامي، حتَّى إنهم يسمُّون السلاطين أحيانا بالجبابرة(5).

وعلى العكس من ذلك نجده يطري مراسليه ممن لمس فيهم الالتزام بالشرع، وصدق العزيمة على الرشد، ولو لم يكونوا من كبار العلماء. ويبدى اهتماما بالغا بعالمين بارزين في عصره، هما الشيخان نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، وعيسى بن صالح الحارثي. ويبدو أنه يخاطبهما حين قال: «ولا تظنَّا أن الاشتغال بإجابتكما يثقل عليَّ، لا والله، ولو كثر السؤال منكما لمزيد المحبَّة مني لكما ولقصد إحياء العلم»(6). فليست هذه الرغبة رياءً ولا سمعةً ولا محبَّة شهرة، وإنما رغبةً في إحياء العلم، في ظرف عزَّ فيه ذووه، وكثر فيه معارضوه، وقلت فيه وسائله، في ظل الاستدمار الفرنسي المشؤوم.

وفي هذا الموضوع أيضا اشتُهر في الروايات الشفويَّة والمراجع الحديثة أن السالميَّ هو الذي أطلق على الشيخ اطفيَّش لقب «قطب الأئمة»(7). ولم أجد ما يثبت ذلك مكتوبا بشكل قاطع، غير رسالة مخطوطة توحي بذلك، جاء فيها: «من العبد الحقير سيف بن بشير الحبشي رسول شيخه الإمام العلامة عبد الله، إلى سيدي قطب الأئمة»(8). ولم يُذكر فيها تاريخ الرسالة، ومن المؤكد أنها قبيل ذي الحجة سنة 1327هـ، أي في حياة القطب(9)، فالرسالة جاءت من السالمي، فلا يستبعد أن يكون أولَ من سماه بذلك.

وفي المقابل اشتُهر كذلك في تلك الروايات أن القطب اطفيَّش هو الذي أطلق على عبد الله بن حميد السالمي لقب «نور الدين»، ولكن لم أجد فيما بين يدي المصادر المكتوبة القديمة التي تعود إلى تلك الحقبة ما يدل على ذلك(10).

ج - المواضيع الاجتماعية:

1 - الوضع الاجتماعي للقطب: ‍ ‍‍ ‍

عاش القطب في ظروف صعبة للغاية: سياسةٌ فرنسيَّةٌ استدماريَّة، تهدف إلى تجهيل الشعب الجزائري وتفقيره، وتضييقٌ للخناق على كلِّ من يحاول كشف دسائسها ويعارضها، فتحاول التنفيرَ والنَّيْلَ منهم، سواء بطريق مباشر، أم عن طريق بث المعرقلين والمعارضين(11). بالإضافة إلى

(1) المصدر نفسه، 1/ 223.

(2) المصدر نفسه، 1/ 254.

(3) المصدر نفسه، 2/ 246.

(4) ينظر: غباش: عمان الديمقراطية، ص242. شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص31 - 35.

(5) ينظر: انظر: تعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش في هامش كتاب تحفة الأعيان، لنور الدين السالمي.

(6) كشف الكرب، 1/ 68.

(7) مقابلة الباحث مع الشيخ الناصر بن محمد المرموري، في القرارة، بتاريخ: 05 صفر 1422هـ/28 أفريل 2001م.

(8) رسالة من سيف الحبشي رسول شيخه السالمي إلى القطب. مكتبة القطب، دون رقم.

(9) أخذنا ذلك من قوله: «لا أرجع إلى عمان حتى يصلني جوابك وجواب من سيدي عبد الله، ثم أمضي [إلى] بيت الله الحرام إن شاء الله تعالى، وذلك يوم 23 الحج [كذا] 1327». المصدر نفسه.

(10) يبدو أَنَّ أبا إسحاق إبراهيم اطفيَّش من أوَّل مَن أطلق لقب نور الدين على السالمي، إن لم يكن أوَّلهم على الإطلاق، وذلك سنة 1346هـ، أي بعد 13 عاما من وفاة الشيخين، ولعل الأمر قد التبس على الرواة بين القطب امحمد بن يوسف اطفيش، وحفيد أخيه الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش. ينظر: كتب الشيخ السالمي التي حقَّقها وعلَّق عليها وطبعها أبو إسحاق، مثل: جوهر النظام، المطبعة السلفية، القاهرة، 1346هـ. صفحة الغلاف. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الطبعة الأولى، المطبعة السلفية، القاهرة، 1347هـ، صفحة الغلاف.

(11) للتفاصيل حول مقاومة القطب للاستدمار الفرنسي، ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص35 - 42.

٢٤٥ / ٣٢٩