مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

15 شريفي - قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان - الحلقة 02

الجزء ١٦ · صفحة ٢٥٢

أنَّ من سنَّة الله في خلقه أن يتلقَّى أيُّ مصلح دينيٍّ شتَّى أنواع الأذى، في أيِّ مجتمع، منذ آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، ولنا في رسل الله وأنبيائه عبرة فيما تكبَّدوه من أذى من أقوامهم، فمنهم من رُجم، ومنهم من سُجن، ومنهم من نُفي، ومنهم من قُتل! كما قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)﴾(1).

في ظلِّ هذه الأوضاع يمكن أن نفهم شكاوى القطب المتكررة من كثرة الأشغال، ومن الوضع الماديِّ المزري الذي كان يعاني منه، ومن الشدائد التي يتلقاها من بني قومه فضلا عن الاستدمار الفرنسي. وقد يتأخَّر الجواب لعدَّة شهور بسبب ذلك، كما قال مخاطبا الشاعر محمَّد بن شيخان: «فليس تأخير الجواب تفريطا منِّي. ومع ذلك يا أخي لو علمت ما بي من الأشغال وفتن الأعداء لعذرتني»(2). وفيما يأتي تفصيل ذلك:

كثرة الأشغال:

يقول عن كثرة الأشغال: « … تم الجواب مزاحما لأكثر من عشرة أشغال مانعة معطلة عنه [ … ] فادْعُ الله عزَّ وجلَّ أن يغفر لي، ويصحِّح قلبي وعقلي وأعضائي، وينفي عنِّي الآفات، وينصرني»(3). ويبدو لي أنه يقصد بالأشغال أساسا: الحركة الدؤوبة للطلبة في أغلب الأوقات، ولمختلف المستويات، ما بين مُمْلٍ وناسخٍ، وقارئ ومصحِّح، وما بين سائل ومستفت … ونحن إذ نرى اليوم مكتبته وهي مرتَّبة في رفوف زجاجية - بما فيها من أوراق وقماطر وكتب مطبوعة ومخطوطة … - نتخيَّل كيف كانت مكدَّسة في حجرته الصغيرة، والشيخ في إحدى زواياها، منكبٌّ على كتبه وأوراقه، وهو يقول: «فإنَّ أمري مضطرب لكثرة الأسئلة والأوراق والأشغال فأغفل عن قمطري»(4). ولا عجب - في مثل هذا الوضع - أن يطال الضياع مؤلفاته أيضا حين قال: «ولي في تحريم الدخان والسعوط منه أو من نحوه [كذا] رسالةٌ ضاعت عنِّي ولم أجد نسخة، فإذا وجدتها أرسلتها إليك إن شاء الله»(5).

شدائد الكفرة والمعارضين:

قال للسالمي عن الشدائد التي يتلقاها: «وإن كان منكم سؤال ولم يأتكم جوابه فلنسياني لكثرة الأشغال والأعداء»(6). وعبر عنها بالأهوال في قوله: «واعذروني في تأخير الجواب، فإن لي أهوال البربر والكفرة!»(7)، وقوله: «واعذرَاني يا أخي في تأخير الجواب بعض تأخر، وما ذلك إلا لأهوال عظام عليَّ من النصارى وأهل بلدي»(8). وقوله لمحمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي: «وافاني سؤالك في حال اضطراب أهل البلد عليَّ وعدم الانقياد للحقِّ، أعانني الله عليهم وعلى أهل الشرك»(9).

فأما شكواه من الاستدمار الفرنسي، فيتمثَّل في عدَّة أساليب، منها: تضييق الخناق عليه، إذ كان لا يتحرَّك إلاَّ برخصة من القائد العسكري، ولو إلى المدن القريبة، مثل بريان والقرارة، وكان في كل مرَّة يختلق الأعذار ليؤذن له، ومنها شراؤه لبستان في بريان ليجعل تعهُّده في الخريف والربيع مبرِّرا لتنقُّله(10).

وأما شكواه من عدم انقياد الناس للحقِّ فهو ما يعانيه كلُّ من يريد إحياء السنن وإماتة البدع، في أيِّ زمان وأيِّ مجتمع. ولعلَّه يقصد باضطراب أهل البلد عليه سعيهم لنفيه من بلده(11). وكلُّ هذه المعاناة لم تفلَّ من عزيمته، إذ كان يعتقد جازما أنَّ إخلاص العمل لله هو الذي يذلِّل الصعاب، وأنَّ الاشتغال بأمر المسلمين «أولى من الانفراد؛ لكن مع تحمل الأذى من الناس ومعالجة الإخلاص. وإذا قوي إخلاصكما سهل عنكما الأذى، فتجدان راحة في قلبيكما تصلان معها إلى التعليم والتعلُّم»(12).

(1) سورة المائدة: 70.

(2) الجواب مؤرخ بأواخر ربيع الثاني 1318هـ. مجموع رسائل، بخط عمر بن يوسف عبد الرحمن، رقم: أ. ز.6، ص46. كشف الكرب، 1/ 86.

(3) المصدر نفسه، 1/ 11.

(4) المصدر نفسه، 1/ 61. وتكرَّرت الشكوى من كثرة الأشغال واختلاط الأوراق في: 1/ 219؛ 2/ 128، 328.

(5) المصدر نفسه، 1/ 177. «قال المرتب [أبو الوليد]: وقد وجدنا الرسالة التي وعد الشيخ رحمه الله بإرسالها وهي هذه … ». فأوردها كاملة.

(6) المصدر نفسه، 1/ 6.

(7) المصدر نفسه، 1/ 247.

(8) المصدر نفسه، 2/ 55. المادة رقم: 73 (مك. ع. س).

(9) جواب القطب للشيخ محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي وأبيه والشيخ أحمد بن سعيد، والأخ علي (؟) والأصحاب من عمان وزنجبار، في مسائل نحوية وبيانية ولغوية، غير مؤرخة، ص14. (مك. ق).

(10) ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص28.

(11) المرجع نفسه، ص27.

(12) المادة رقم: 74. (مك. ع. س). وخطاب المثنى موجَّه إلى نور الدين السالمي، وعيسى الحارثي.

٢٤٦ / ٣٢٩