مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

16 الطرابلسي- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ودوره في جربة

الجزء ١٦ · صفحة ٢٦٤

- أحدهما: يظهر في الخطاب الذي وجَّهه القطب إلى الشاعر محمد بن شيخان السالمي، داعيا إيَّاه إلى التآلف وترك الخلاف والشقاق: «واعلموا أنَّ أهل التوحيد في الدنيا كلِّها على اختلاف مذاهبهم وديانتهم قليلون بالنسبة إلى أهل الشرك، وأصحابنا قليل بالنسبة إلى قومنا، فما بالنا نختلف ونقطع من أطرافنا؟! فأسألكم بالله أن تتآلفوا وتصيروا بعضا لبعض، وأنتم عرب وقد تكون قلوبكم سخية، فسامحوا وتعاونوا، وليعرفْ كلٌّ منكم قدر أخيه، يعرف الصغيرُ حقَّ الكبير، والكبيرُ حقَّ الصغير، والتلميذُ حقَّ الشيخ، والشيخ حقَّ التلميذ، والتلميذان والشيخان كلٌّ يسارع إلى مسرَّة الآخر، والألفة في الدين واجبة [ … ] وهاأنا منتظر لأحوالكم تلتئم وتصطلح، وتجيبني في كتاب مسطور، كدُرٍّ منثور»(1).

ويبدو أنَّ القطب يقصد الخلافَ الذي وقع بين الشاعر محمَّد بن شيخان وبين ابن عمِّه الشيخ نور الدين السالمي، فهذا الشاعر قد نظم عدَّة قصائد في مدح السلطان، بغرض التكسُّب، ولكنَّ الشيخ نور الدين كان يرفض ذلك رفضا قاطعا، نظرا لولاء السلطان للإنجليز، وعدم تقيُّده بأحكام الشرع، واعتبر ذلك التكسُّب أشبه بمهر البغيِّ، وكان يعتذر إليه الشاعر بقوله: «نحن بحاجة إلى ما بأيديهم من بيت المال، ولا نصل إليه إلاَّ بسبب»(2).

- ثانيهما: يوحي به كلام القطب الموجَّه إلى عيسى الحارثي مستبشرا فيه بانتظام أحواله مع شيخه، إذ قال: «وصلني كتابك واستبشرت به لسلامتك وسلامة أحوالك وانتظام أحوالك وأحوال شيخك»(3)، ولم يذكر اسم شيخه، ويبدو أنه يقصد السالميَّ. وإذا تساءلنا عن هذه الأحوال وجدنا أنَّ الشيخ عيسى الحارثي - رغم نشأته في حجر والده الذي كان من أكبر الدعاة إِلىَ إقامة حكم الإمامة - لم ينضمَّ إلى الإمامة فور قيامها على يد شيخه السالمي إلاَّ بعد أن وجَّه إليه عتابا(4)، وربما كان هذا سببا لنوع

(1) المصدر نفسه، 1/ 9.

(2) أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص461. وينظر: الحارثي: اللؤلؤ الرطب، ص139 - 140.

(3) كشف الكرب، 2/ 328.

(4) ينظر: شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص112.

٢٥٤ / ٣٢٩