16 الطرابلسي- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ودوره في جربة
الجزء ١٧ · صفحة ٢٦٧أولا: كتمان الصدقة، والزّكاة في نظر أبي زكرياء فصيل:
لم تذكر كتب السير فتاوى كثيرة لأبي زكرياء الذي انحصر اهتمامه بأحد أركان الإسلام الخمس وهي الصدقة، فقد كان يحرص طيلة حياته على التصدّق من المال الذي أنعم الله به عليه ويدعو الناس إلى النسج على منواله شرط أن تكون الصدقة سرّا، وهو ما كان يفعله مع تلامذته حين كان يجعل الدراهم في أوعية دفاترهم أو بين ثياب التلميذ دون أن يشعر بذلك أو يجعلها في قراطيس أو صرر(1) لأنّ كشف الصدقة يمكن أن ينقص من درجات الثواب عند الله.
ومن الأخبار التي رويت عن أبي زكرياء والتي تؤكد حرصه على الزكاة، الخبر الذي رواه أبو زكرياء يحيى عن الرجل الصفاقسي الذي أودع عند فصيل دنانير بعد إلحاح شديد وسافر إلى بلده، فما كان من أبي زكرياء ــــ عندما حان وقت الزكاة ــــ إلاّ أن يدفعها على الوديعة من ماله الخاص، بل أكثر من ذلك لمّا علم فصيل بالمجاعة التي تعيشها صفاقس، ركب البحر رغم صعوبة ذلك ورحل باحثا عنه إلى أن وجده وهو في أسوإ حال بسبب الجوع وقد أشرف على الهلاك، فأطعمه وسلّمه وديعته رافضا أخذ جزء منها(2)، وهو ما عرف به فصيل من خصال حميدة وأخلاق طيبة واهتمام بمشاكل الإباضيين خاصّة المتعلمين منهم.
ثانيا: تأسيس الجامع الكبير:
لقد خبر أبو مسور القيمة التي للمسجد ففكّر في بناء الجامع الكبير ليجمع فيه أتباعه الذين التفّوا حوله لما عرف به بينهم من علم وورع واستقامة.
يقول سالم بن يعقوب: «ارتاد أبو مسور في جهاته يختار موضعا لذلك وأخيرا رجَّح المكان الذي وضعه فيه وهو يعلم مكانة المساجد في الإسلام، فقد جعله في مكان كان يومئذ مركزًا للمسلمين جامعًا لشتاتهم»(3).
فجاء الجامع على الطريق الرَّابطة بين مليتة وحومة السّوق في طريق حومة الحشّان(4)، إلاَّ أن الوفاة عاجلت أبا مسور في
(1) الدّرجيني (أحمد أبو العباس)، «طبقات المشايخ بالمغرب»، تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، د ت، ج2، ص363.
(2) أبو زكرياء «السيرة … »، ص247.
(3) سالم بن يعقوب «تاريخ جزيرة جربة» دار الجويني للنشر، 1406 هـ/1986 م، ص76.
(4) رياض مرابط «مدونة مساجد جربة: الخارطة الوطنية للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية»، المعهد الوطني للتراث. تونس 2002.