16 الطرابلسي- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ودوره في جربة
الجزء ١٧ · صفحة ٢٦٨وسط القرن 4هـ/10م، عندما ذهب لزيارة خاله يأتى المستاوي، وقبره بقرب مسجد الفاهمين(1) قبل أن يتمّ بناء المسجد فأتمه ابنه فصيل وسمي «بالجامع الكبير». ولعلّ هذا يعود إلى المساحة الكبيرة التي كانت له والتي قدّرت بـ4000م2(2) وقد احتوى على غرف عديدة للسكنى وللطلبة ومسجد وممرّات وضمّ نشاط مشايخ الإباضية بدءا بأفراد الأسرة المسورية سواء الدينية أو التعليمية.
ومع أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور كان لهذا الجامع نشاط تعليمي هامّ وهو ما جعل البعض يطلقون اسم مدرسة على المسجد؛ يقول الدكتور فرحات الجعبيري بأن المدرسة أصبحت مصطلحا يحمل عدَّة معان منها نشاط المساجد العلمي(3)، وهذا عائد إلى غياب المدارس بالمعنى الحديث وإنَّما يشرف الجامع على كلِّ الأنشطة سواء الدِّينية أو الاجتماعية أو العلمية.
ولكننا لن نحصر دور الجامع الكبير مع فصيل بن أبي مسور وإنَّما يمكن أن نعتبر أنَّ الجامع بدأ فعليا في تنمية الحركة العلمية بعد أن أتم هو بناءه وتوسع دوره فيها مع تأسيس نظام العزَّابة هذا التنظيم الذي أثر بشكل مباشر في تاريخ الاباضية بالجزيرة.
يقول سليمان بن أحمد الحيلاتي: «اعلموا رحمكم الله أنَّ مساجد جربة أُسِّست على التقوى وبنيت من مال حلال، ولا ينبغي لمن يرجو لقاء ربِّه أن يتجاسر عليها»(4). ولا ينبغي أن يغفل أحد عن زيارتهم وزيارة قبور مشايخها(5)، وقد قال الله في حقِّ المساجد: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(6).
وأوَّل هذه المساجد الجامع الكبير الذي جمع النواة الأولى لحركة تعليمية كبيرة في الجزيرة واستمرت قرونا طويلة، وهذا يعود إلى أنَّ هندسة بناء الجامع الكبير كانت مساعدة على احتضانه لعدد كبير من الطلبة والمدرسين والواردين على الجزيرة لتحصيل العلوم، إذ يحتوي الجامع ـــــ إضافة إلى بيت الصلاة وهي مربعة الشكل ويبلغ طول ضلعها 15م ولا يقل ارتفاعها عن 6 م(7) ـــــ على غرف كثيرة:
غرفتين بالضلع الشرقي بالقسم القبلي:
* الأولى: هي غرفة سكنى مستطيلة بين الشمال والجنوب، مدخلها قبلي مستطيل من حجارة مهندمة وبجانب هذا المدخل خلويّة صغيرة للاستحمام(8).
* الثانية: مربعة الشكل مسقوفة بقبوين طويلين وبها قسمان:
ــــ داخلي شمالي ويحتوي من ناحية الشرق على مطهرة.
ــــ خارجي ويحتوي على دكة تعلوها ثلاث طاقات مربعة متفاوتة الأحجام وتحت الدكة طاقة رابعة مخصصة للأحذية(9).
كما يحتوي المسجد على غرف سكنى تنقسم إلى قسمين:
* غرف القسم الغربي: يحتوي على ثماني غرف سكنى جميعها مستطيل بين الشمال والجنوب.
* غرف القسم الشرقي: وبه أربع غرف ومطبخ مربع الشكل(10).
ولم تشمل المسجد سوى تحويرات طفيفة وأبرزها تجديد المحراب وقد جاءت أشكال الغرف وأنماطها المعمارية متنوعة خاصة وأن المعلم ظل يتطور باستمرار ليستجيب لحاجيات الطلبة والمدرسين المتزايدة(11)، هؤلاء الذين احتضنهم الجامع طيلة ثمانية قرون وأشرف على تدريسهم عدد كبير من العلماء، ينتمي الكثير منهم إلى أسرة أبي مسور، ولا يزال الجامع عامرًا إلى اليوم بهم يشرفون على إمامة الجمعة والخمس ولكن انقطعت فيه الدروس العلمية منذ القرن التاسع عشر(12).
ولكن هذا لا ينفي احتضانه طيلة سنوات منذ إمامة أبي زكرياء فصيل نشاط حلقات العزّابة، هذا التنظيم الذي كان له دور فعّال في تنشيط الحياة العلمية التي بدأها فصيل بمجهوداته الخاصّة والفرديّة.
ثالثا: فصيل وتأسيس نظام العزّابة
(1) «وهو المعروف بمسجد أبي مسور، يوجد بحومة الفاهمين قرب قلالة، وفيه دفن الشّيخ أبو مسور وقبره موجود إلى الآن»، المرجع نفسه، ص73.
(2) المرجع نفسه.
(3) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة عند الإباضية الوهبية بجربة»، المعهد الأعلى للآثار والفنون، تونس 1975 م، ص239.
(4) سليمان الحيلاتي، «علماء جربة»، دار الغرب الإسلامي، ط 1، بيروت، لبنان، 1419 هـ/1998 م، ص73.
(5) المصدر نفسه.
(6) البقرة الآية 114.
(7) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة … »، ص241.
(8) رياض مرابط، «مدونة مساجد جربة … »، ص101.
(9) المرجع نفسه، ص ص101 - 102.
(10) المرجع نفسه، ص103.
(11) المرجع نفسه، ص106.
(12) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة … »، ص243.