مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

16 الطرابلسي- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ودوره في جربة

الجزء ١٧ · صفحة ٢٧٢

الإباضية أبت ذلك، وقام أبو خزر بإرسال أبي محمد جمال بن محمد المدوني ليستنفر أهل الزّاب وأريغ ووارجلان(1) فاجتمعت له جموع كثيرة وخاصة من مزاتة فرأى أنه بهم قادر على هزم خصمه، فلم ينتظر المزيد من إمدادات أنصاره وتحرَّك نحو باغاي، ولكنَّ المعزَّ حاصره وهزمه وأجبره على التراجع مع جيشه ففرَّ أبو خزر إلى جبل يقال له «تلماجرت»(2). وقد حاول فصيل المشاركة في هذه الثورة ومساندة شيخه الذي كان له الفضل في تدريسه، ولذلك عمل جاهدا على اللحاق به، فاستأذن من والده وسار إليه لكن وهو في طريقه ذاك بلغه خبر هزيمة أبي خزر فرجع أدراجه إلى جربة(3).

وهرب أبو نوح متخفيا في لباس الرعاة إلاَّ أنَّ رسل أبي تميم تمكنوا من معرفته وإلقاء القبض عليه(4)، فأودعه المعزُّ السجن إلى أن تشفع له المنصور بن بلكين بن زيري الصنهاجي عند المعز فعفا عنه وقال له: «يا أبا سعيد إنَّ القيود التي في رجلك إنَّما هي فيها بالعلم ولا تنزع إلاّ بالعلم»(5) وأجلسه في بلاطه وقرَّبه منه وعقد له مجالس العلم لمناظرة العلماء والشيوخ وكان يقول عنه: «أبو سعيد فتى مجادل».

أمَّا أبو خزر فقد أعطاه المعزُّ الأمان وأكرمه وأخذه معه عندما انتقل إلى القاهرة سنة 362هـ/972م في حين رفض أبو نوح مرافقتهما وأنهى حياته في وارجلان عند أبي صالح جنون بن يمريان(6).

وبهذا انتهت ثورة أبي خزر كما انتهت ثورة أبي يزيد.

ونتيجة لهذا الوضع المتأزم الذي مرَّت به الإباضية في فترة القرنين 3 و4هـ/9 و10م والذي جعلها عرضة للهجمات والقتل وهو ما حتَّم على مشايخها التفكير في مصيرهم ومصير عقيدتهم الأمر الذي اضطرهم إلى ممارسة نشاطهم سرًّا وهو وضع مشابه لما مرت به الإباضية في بداية ظهورها، وقد سميت الإجراءات التي يتخذونها نتيجة للظروف وخاصة السياسية منها بمسالك الدين عند الإباضية وهي أربعة مسالك: الظهور، والدفاع، والشراء، والكتمان.

ج - مسالك الدّين عند الإباضية:

*الظهور: يعني إعلان الإمامة المستقلَّة، ويُرشَّح فيها إمام وفق ما جاء به القرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، وعلى الإباضيين خلالها إقامة الحدود وصلاة الجمعة وجمع الزكاة والجزية ومحاربة الأعداء وتوزيع الغنائم والزكاة توزيعا عادلا(7).

*الدفاع: يُعتبر الدفاع واجبا إذا ما غابت مرحلة الظهور، وذلك في حالة وجود خطر هجوم ما، فلا بد أن يوكل الإباضيون أمر قيادتهم إلى إمام يسمى إمام دفاع، له كل الصلاحيات مثل إمام الظهور وتنتهي مهمته بانتهاء الحرب. ويعتبر عبد الله بن وهب الراسبي أوَّل إمام دفاع في معركة النهروان، وفي المغرب نذكر أبا خزر يغلا ابن زلتاف(8).

*الشراء: تعبِّر عند الإباضية على التضحية في سبيل الله؛ وقد اشتقت من الآيات القرآنية التي حثت على الجهاد والزهد في الدنيا وترك لذائذها مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(9).

* مرحلة الكتمان: وهي تعني التكتُّم عن المعتقدات لتجنُّب القمع، فتصبح السرية هي السبيل للحفاظ على هذه المعتقدات، وأوَّل من التجأ إلى ذلك جابر بن زيد العماني وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ويعتبر شيوخ الإباضية وعلماؤها أنَّ اتخاذهم هذا المسلك عائدٌ إلى الاقتداء بسيرة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في بداية دعوته وتحديدا الفترة الواقعة بين بداية الوحي حتى وقت وصول عدد المسلمين أربعين(10).

وتتمثَّل أنظمة المرحلة السرية في أنه: «على الإباضية أن يجتمعوا ويعيِّنوا

(1) الدرجيني، «طبقات … »، ج1، ص128.

(2) «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص477.

(3) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة … »، ص180.

(4) الدرجيني «طبقات … »، ج1، ص128. أبو زكرياء، «السيرة … »، ص ص206 - 207.

(5) المصادر نفسها، ص209.

(6) «(أوائل ق4هـ/10م)، من إيزوزام، كان شيخ الإباضية بوارجلان تتلمذ على أبي يوسف يعقوب الطرفي، يعود له الفضل في ازدهار الحركة العلمية وانتظام الحياة الدينية والاستقامة الخلقية في وارجلان»، «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص ص115 - 116.

(7) عمرو خليفة النامي، «دراسات عن الإباضية»، تر. ميخائيل خوري مر. ماهر جرار د. أصوله وع. عليه محمد صالح ناصرو مصطفى صالح باجو، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت 2001، ص276.

(8) المرجع نفسه، ص278.

(9) التوبة آية 111.

(10) عمرو خليفة النامي، «دراسات … »، ص282.

٢٦١ / ٣٢٩