02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا
الجزء ٣ · صفحة ٢٩أكبر كتلة نقديَّة، لأنَّ الأسهم المتداولة فيها هي أسهم أكبر الشركات الاحتكارية العالمية، ومن ثمَّ فهي تستحوذ على أطماع المرابين، وتسيل لعاب المتعاملين طمعًا في جني أرباح وهمية، قائمةٍ على الميسر، وعندما تأتي الرياح بما لا تشتهى السفن ينهار كلُّ شئ، وتحدث الأزمة المالية. وهذا الذي يسبِّب في أكبر عمليَّة تضخُّم وانهيار لقيمة العملات، بل إلى كثير من العمليات الانتحاريَّة.
أيُّها القارئ الكريم، هذه بعض المقارنات الجليَّة بين النظام الربويِّ البدائيِّ قديمًا، والنظام الربوي المتطور حديثا، ذكرناه بصورة موجزة، وقد انتهى الأمر في أيَّامنا إلى نظام اقتصاديٍّ مزيَّف، قائم على فكر رأسماليٍّ مرعب، وملكيَّةٍ فرديَّةٍ متوحِّشةٍ، يعتمد أساسًا على الرِّبا وما يخدمه، من بنوك، وبورصات، ونواد، وشركات، واحتكار، وعولمة، بوسائل إنسانية وغير إنسانية، ممَّا انتهى بالعالم كلِّه إلى أن صار اليوم في قبضة مارد جبار يسمى الرِّبا، من أبرز خصائصه أنَّ له وجهين، وإنَّ من شرِّ النَّاس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه:
أ-وجه رقيق مشرق بشوش يستقبل به من جاءه طواعية ليودع عنده مبلغا من المال، مقابل الحصول على نسبة مئويَّة قليلة من الفائدة.
ب-وجه غليظ عبوس قمطرير، وأنياب مكشرة بارزة، يستقبل به من جاءه يطلب منه قرضًا، فيقرضه إيَّاه بنسبة عالية من الفائدة، تتضاعف مع توالي الشهور والسنوات، فإن سارت الأمور على وتيرتها نجا المقترض من ويلاته، وإن كان في الحقيقة قد دفع له أكثر ممَّا أخذ منه. وإن لم تسر الأمور على وتيرتها، وعجز المقترض عن السَّداد تحوَّل البنك إلى وحش ضارٍ يتأهَّب لافتراسه، وإلى تنِّين مبين يتلهَّف إلى ابتلاعه، فيسارع إلى المزاد العلني ليبيع رهنه، وبأرخص الأثمان لاسترجاع دينه، ولا يهمُّه من أمر المقترض سوء حاله، ولو آل إلى الهلاك أمره، لأنَّه لا تسامح في العلاقات الدولية، ولا هدايا في المعاملات المالية، إنَّه لابدَّ بالسداد، إما بالعُملة على حرج وخوف، أو بالتنازل عن جانب من الكرامة والشرف، إمَّا أن يكون الدفع بالعَرَض، وإمَّا بالعِرْض.
لقد دها البشرية إعصار مالي، كان آية من آيات الكبير المتعالي، ولنتبيَّن حقيقة الإعصار علينا أن ننظر معناه في الكلام القويم، واستعماله في القرآن العظيم، وسنة النبيء الكريم.
الإعصار لغة: ريح تُثير سحاباً فيه رعد وبرق، قيل: هي التيِّ تهبُّ من الأَرض وتُثير غبارًا شديدًا فترتفع كالعمود إِلى السماء، وهي التي يُسَمِّيها الناس الزَّوْبَعة، وقيل: هي التيِّ فيها نارٌ، ومنه قول العرب في أَمثالها: إِن كنتَ رِيحاً فقد لاقيت إِعْصاراً؛ يضرب مثلاً للرجل يلقى قِرْنه في النَّجْدة والبسالة.