02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا
الجزء ٣ · صفحة ٢٨المال، ومن ثمَّ فلا يمكن أن نتصوَّر، غبنًا في التعامل، أو تكدُّسا للثروة إلاَّ شيئًا يسيرًا، أمَّا اليوم فقد صار التموُّل قائمًا على قاعدة القرض الرِّبحي، وعلى التبادل النقدي، وعلى بذل بعض الجهد للاستحواذ على كلِّ المال، متخذا الرِّبا الوسيلة الكبرى لتحقيق الثراء الفاحش، لا من أجل كفاية ضروريات الحياة، بل من أجل التكاثر، والترف، والتَّلذُّذ، والتمتُّع، والهيمنة، والاستعلاء، ثم الاستعمار.
3. لقد كان الرِّبا في القديم يقوم على أساس قرض المال بعينه إلى المقترض، بحيث ينتقل المال من يد المقرض إلى يد المقترض، ثمَّ يستردُّه منه بعد مدَّة محدَّدة في مقابل فائدة معلومة، أمَّا اليوم فقد صارت البنوك لا تقرض عين المال، وإنَّما تقرض اسم المال، وذلك بفتح حساب بنكيٍّ تسجِّل فيه المبلغ الذي تقرضه، وهي تقرض المبلغ الواحد عشرات المرات، لأنَّها لا تقرض نقودًا حقيقية، وإنَّما نقودًا اسمية فقط، تأخذ عليها فوائد من نقود حقيقيَّة، وهذه النقود الوهميَّة هي المسببة في ظاهرة التضخم الخطيرة التيِّ تفقد العملات قيمتها، تمامًا كمن يمذق اللَّبن بكميات كبيرة من الماء، تذيب تركيزته الدُّهنيَّة، وتذهب بقيمته الغذائيَّة.
4. يقوم النظام المصرفي الربوي على نظام الفائدة أخذاً وعطاءً، ويعمل فى إطار منظومة تجارة الديون شراءً وبيعاً ووساطة، وكلَّما ارتفع معدَّل الفائدة على الودائع كلَّما ارتفع معدل الفائدة على القروض الممنوحة للأفراد والشَّركات، والمستفيدُ من هذا هي البنوك والمصارف والوسطاء الماليِّين، والعبء والظلم والغبن يقع على المقترضين الذين يحصلون على القروض سواء لأغراض الاستهلاك أو لأغراض الإنتاج، ويرى بعض الاقتصاديين أنَّه لا تتحقَّق التَّنميَّة الحقيقيَّة والاستخدام الرشيد لعوامل الإنتاج إلاَّ إذا كان سعر الفائدة صفراً، أي قرضًا حسنا كما يسمَّى عندنا في الشرع الإسلامي.
5. لقد كان المرابي في القديم يقرض ماله الذي يملكه ولا يتجاوزه، أمَّا اليوم فقد صارت البنوك تقترض المال بنسب منخفضة، ثم تُقرضه بنسب عالية، سعيًا منها إلى الهيمنة والابتزاز بكل وسيلة إنسيَّةً كانت أو وحشيَّة.
6. لقد ظهر ما يسمَّى في المنظومة الماليه العالميَّة بالبورصات، التيِّ تعتمد التَّعامل بالأسهم بيعًا وشراءً، وبخاصَّة إلى أجل، ابتغاء ربح متوقَّع من ارتفاع الأسهم أو انخفاضها يوم سدادها، تعتمد اعتماداً أساسياً على معاملات وهميًّة وورقية شكلية تقوم على الاحتمالات، ولا يترتَّب عليها أيَّة مبادلات فعلية للسَّلع والخدمات، فهي عينها المقامرات والمراهنات التيِّ تقوم على الحظِّ والقدر، والأدهى والأمرُّ أنَّ معظمها يقوم على إئتمانات من البنوك فى شكل قروض، ممَّا يجعل البورصة دار قمار كبرى، تتداول فيها