مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

16 الطرابلسي- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ودوره في جربة

الجزء ١٧ · صفحة ٢٨٢

بالتجارة حتى أنه أرسله يوما ليمتار له التمر من بني يزمرتين(1) في بلاد نفزاوة عندما كان يذهب للتعلّم عند أبي خزر يغلا بن زلتاف، وتمكَّن أبو زكرياء من لقاء أهل يزمرتين وتحميل الجمال تمرًا واحتفظ بالدنانير الباقية لأبيه رغم أنه اضطر إلى بيع عمامته لقضاء بعض حوائجه الخاصة، ولما علم بمسير أستاذه أبي خزر للثأر لدم أبي القاسم يزيد بن مخلد عاد إلى جربة ليسلِّم ما في عهدته من التمر والمال الذي أمَّنه عليه والده، ويستأذن منه ويودع أهله فكان له ذلك حتى أنَّ أباه قال له: «قد حللتك من جميع حقوقي عليك إلاَّ ما فعلت حين رددت الدنانير من نفزاوة ولم تكن حبستها لحوائجك»(2)، فخرج أبو زكرياء من جربة ولما كان ببعض الطريق بلغه خبر هزيمة أبي خزر وأصحابه، قرَّر العودة إلى جربة(3).

ويُعتبر هذا الخبر هو الوحيد الذي أوردته كتب السير حول نشاط أبي زكرياء التجاري، لكن ما يمكن التأكد منه أنه بفضل الثروة الطائلة التي كانت للعائلة المسورية احتلت مكانة هامة واتجه بعض أفرادها نحو الفلاحة والتجارة والسلف وغيرها من المعاملات المالية.

سابعا: فصيل وموقفه من السلطة الزيرية:

لقد سعى فصيل إلى الثورة على الفاطميين (ثورة أبي خزر) لكن لم يُتح له القدر أن يشارك فيها، وبعد هذا الموقف نراه يتحوَّل تحوُّلا جذريا في علاقته بالحكام لنراه يدعو إلى مهادنتهم والحفاظ على علاقة سليمة معهم، إذ كان يقول: «ومن حرث زرعا وحصده، ودرسه، وطحنه، وعجنه، أطعمه الجبابرة بمنزلة من أطعم الأولياء فلكليهما حظٌّ من الثواب وكلاهما يكتب عنه الله صدقة … »(4) فبالنسبة إليه لابدَّ من اتقاء شرِّ الجبابرة من السلطة الحاكمة، ولكننا إذا نظرنا في سيرة فصيل نراه كلما أطعم جبارا يتبرَّع بالطعام للعزَّابة، معتبرا أن إطعام جبار هو وسيلة يهدف من ورائها حماية الأعراض من الهتك الذي قد يمارسه ولاة بني زيري في الجزيرة، أمَّا إطعام العزَّابة فهذا تكفير عن الطعام الأوَّل أي إطعام الجبابرة من أمثال ابن ينمو الوليلي(5).

وقد أعطت هذه السيرة الحسنة التي كانت لفيصل تجاه بني زيري مكانة هامَّة جعلت كلمته مسموعة لديهم، إذ لم يحدِّد عامل السلطان الزيري قيمة الخراج الذي يجب أن يدفعه بنو يهراسن، بل طلب من فصيل أن يحدِّده هو حسب ما يقدرون عليه، فأبلغه بما هم قادرون عليه، ولكن عندما انصرف العامل راجع أبو زكرياء نفسه فوجد أنه قد بالغ في تحديد المبلغ المقدور عليه من قبل بني يهراسن فما كان منه إلا أن دفع الخراج عن الفقراء والمساكين من ماله الخاص(6). وتتأكَّد هذه المكانة التي حظي بها فصيل عند بني زيري ما حدث في الحملة التي شنّها إبراهيم بن ينمو على الجزيرة، إذ أرسل إليه بأنه قادم إلى جربة وطلب منه أن ينظم مع أهله وعشيرته من بني يهراسن في الجامع الكبير حتى لا يصيبه أي خطر أو ضرر مثلما سيصيب أهل جربة سواء منهم الوهبية أو النكار.

وتعتبر المقولة التي رويت عن أحد عمّال صنهاجة والتي تتمثل في قوله: «عاش حميدًا ومات فقيدًا، اللَّهم ارحمه وأعد على بلده وأهل بلده وأهل بيته»(7) عندما بلغه خبر موته، كما قال عنه «مات امرؤ عالم أنّه سيموت»(8).

وقد كثر الجدل حول هذه العلاقة التي كانت بين فصيل وبني زيري، إذ اعتبر البعض أنَّ فصيل كان متحالفا مع صنهاجة في جربة، كما كان مستغلاّ لكلّ الظروف لحماية مصالحه الخاصَّة،(9) واعتبر البعض الآخر أن هذا السلوك الذي رأيناه من فصيل كان ضروريا لتفادي جبروت السلطة الجائرة وتجنبا لبطشهم(10).

ولكننا نرى في هذا الإطار أنَّ فصيل حاول بمهادنته لسلطة بني زيري أن يحتمي بهم وأن يتجنَّبهم في آن واحد، إذ أنَّ فترة القرنين 4 و5هـ/10 و11م تميزت بنشاط عدد من الفرق والمذاهب الإسلامية التي يسعى كلٌّ منها إلى أخذ مقاليد الحكم بالمنطقة خاصَّة وأن جربة كان لها موقع استراتيجي جعلها مطمعا لعديد الفئات، وقد تمثل صنهاجة بسلطتها سندًا لفصيل ولبني يهراسن

(1) «هي قبيلة بربرية سكنت بسكرا بالجنوب التونسي»، أبو زكرياء «السيرة … »، ج 1، ص242.

(2) المصدر نفسه، ج1، ص243.

(3) المصدر نفسه.

(4) الدرجيني، «طبقات … »، ج2، ص363.

(5) المصدر نفسه.

(6) المصدر نفسه، ج1، ص161.

(7) المصدر نفسه، ج1، ص166.

(8) المصدر نفسه.

(9) محمد حسن، «إباضية جربة … »، ص 75.

(10) سالم بن يعقوب وقاسم قوجة، «رد على مقال نشر … »، ص249.

٢٧٠ / ٣٢٩