24 خطبة العدد - الشيخ عيسى
الجزء ٢٥ · صفحة ٣٣٠مراتعَ قد لا تقدر على أن تسلم منها بحال، وإيَّاك أن توديَ بابنتك إلى مرابعَ قد لا تقوى على أن تنجوَ منها من غضب شديد المحال؛ فالسلامةُ كلُّ السلامة في ترك السباحة إذا رفعت الرايات الحمراء، فإن البحر عميق، والعوم خطير، والهلاك مُحقَّق، فاجتنبوا أماكن الاختلاط، واتركوا مواطن الإحباط، واتقوا موارد الريب، واحذروا مواقع الكُرب، ولقد طغت على الأخلاق وسائل الإعلام بفجورها، وحامت على الحمى أسباب الاتصال بأخطارها، فقرَّبت البعيد، ويسَّرت المحظور لمن يريد، فتدثروا بدثار الحياء فإنَّ الحياء من الإيمان، وإنَّ لكلِّ دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء.
فلا وَأَبيكَ ما في العيش خيرٌ ولا الدُّنيا إذا ذَهَبَ الحَيَاءُ
يعيشُ المرءُ ما استَحيَا بخيرٍ و يبقى العودُ ما بقي اللِّحَاءُ
فحافظوا على سلامة الأعراض فإنها أثمن الأغراض، فيا نساء المؤمنين لستنَّ كأحد من النساء إن اتقيتُنَّ، ويا شباب المسلمين أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ و ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر معاشر الإخوة المؤمنين لا ينبغي لنا ونحن نتفيأ ظلال فرحة العيد، ونتنسَّم نسمة الفجر السعيد، ونلبس أفخر ثوب جديد، ونتشهَّى أكل الطعام اللَّذيذ، أن ننسى إخوانا لنا مُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ركنت بهم الزوايا، وطمَّت بهم البلايا، وحلَّت عليهم المنايا، تحت وقع المدرَّعات، وقصف الطائرات، وجحيم المتفجرات، وآلام المعتقلات، وشبح الفقر، وظلمة الجهل، ونذر المرض، أن نمدَّ لهم يد العون ما وسعنا إلى ذلك سبيل، ونُشركهم عيدنا ولو بنزر قليل، فنبادلَهم فرحتنا بدعاء صادق عن ظهر الغيب، فنسأل الله تعالى الحليم الوهاب أن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يُبدلهم من بعد خوفهم أمنا، ومن بعد فقرهم غنى، ومن بعد ظلمتهم سنا، كما نسأل العزيز القهَّار أن يُهلك عدوهم فيأخذهم أخذة رابية، ويديل دولتهم فلا ترى لهم من باقية. عن عبدالله ابن أبي أوفى قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فإذا هو بصبي يبكي، فقال: يا عمر ضمَّ الصبي فإنَّه ضالُّ، فجاءت أمُّه فأخذتْ ابنها فجعلت تضمُّه إليها وترشفه وتبكي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أترون هذه رحيمة بولدها؟ فقالوا نعم، فقال: والله للهُ أرحم بالمسلمين من هذه بولدها. فعيد مبارك سعيد، وعمر في الطاعة مديد، ورضوان من المولى ما نبغي عنه