مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ٣٦

بين جميع الكادحين، وأوجب الحقوق المعلومة والتطوعية فيه، وشدَّد الوعيد على الذين يكنزونه ولا يؤدُّون حقوقه، ونهى عن أساليب الرِّبا، وحرَّم وسائل الغشِّ والاحتكار، وشرَّع قسمة المواريث، ثمَّ أمر بالتكافل بين العباد، ليضمن تداول المال بين مختلف شرائح البشر على أساس من العمل والعدل والنُّصح والإحسان، كي لا يكون دولة بين الأغنياء فقط، ولكنَّ المال قد صار في عالم اليوم مرتكزًا بسبب الرِّبا في أيادي أكاسرة محدودة، ومكتنزًا بسبب الرِّبا والاحتكار في مفاتحِ أباطرة معدودة يطلق عليهم بالمليَارْدِيرَات، أي أغنى أغنياء العالم، أو قوارين القرن الواحد والعشرين، وأكاد أجزم أنَّهم أكثر مالاً من قارون قوم موسى الذي آتاه الله تعالى من الكنوز ما إنَّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ولا تعجبوا إن علمتم أنَّ رأس مال أحدهم يقدر بميزانية دولة بنقلاديش التيِّ تعدُّ 170 مليون نسمة.

يقول سيد قطب في ظلاله: لقد انتهى الأمر في العصر الحديث إلى تركيز السلطة الحقيقية، والنفوذ العمليِّ على البشريَّة كلِّها في أيدي زمرة من أحطِّ خلق الله وأشدِّهم شراً؛ وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلاًّ ولا ذمَّة، ولا يراقبون فيها عهداً ولا حرمة. وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفراداً، كما يداينون الحكومات والشعوب، في داخل بلادهم وخارجها، وإليهم ترجع الحصيلة الحقيقية لجهد البشركلِّهم، وكدِّ الآدميين وعرقهم ودمائهم، في صورة فوائدَ ربويَّةٍ لم يبذلوا هم فيها جهداً.

يقول الدكتور شاخت مدير بنك الرايخ الألماني سابقاً في محاضرة له بدمشق عام 1953: إنه بعملية رياضية غير متناهية يتَّضح أنَّ جميعَ المال في الأرض صائرٌ إلى عدد قليل جدًّا من المرابين، ذلك أنَّ الدائن المرابيَ يربح دائمًا في كلِّ عملية؛ بينما المدين معرَّض للربح والخسارة. ومن ثمَّ فإنَّ المال كلَّه في النهاية لا بدَّ ـــــ بالحساب الرياضي ــــــ أن يصير إلى الذي يربح دائماً، وإنَّ هذه النظرية في طريقها للتَّحقُّق الكامل.

إنَّ معظم مال الأرض الآن يملكه ملكاً حقيقيًّاً بضعة ألوف، أمَّا جميع الملاَّك وأصحابُ المصانع الذين يستدينون من البنوك، والعمَّالُ وغيرُهم، فليسوا إلاَّ أجراءَ يعملون لحساب أصحاب المال، ويجني ثمرَ كدِّهم أولئك الألوف من قوارين القرن الواحد والعشرين. لقد صار المال دُولة بينهم، يتصرَّفون فيه متى يشاؤون، ويتداولونه بينهم كيفما يشاؤون، ويهدرونه في شهواتهم كما يشاؤون، على مرأى ومسمع من العالم الذي يئنُّ تحت ضربات الجوع والمرض والجهل، فتمكَّنوا بذلك من الهيمنة على مجريات الحياة العامة للدَّول، وتجرؤوا على الاستحواذ على مقدَّرات الأمم، واستطاعوا التسلُّط على رقاب الشعوب، إذ المال هو قوام الأعمال، إنَّهم يعدُّون أربعَمائة شخص في الولايات المتحدة الأمريكية التيِّ يبلغ تعداد

٣٤ / ٣٢٩