02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا
الجزء ٣ · صفحة ٣٧سكانها حوالي أربعمائة مليون نسمة، أي بنسبة واحد في المليون، وحوالي مائة وخمسين في العملاق المستيقظ الصين التيِّ يبلغ تعداد سكانها حوالي مليار ونصف. أي بنسبة واحد في عشرة ملايين، وقل مثل ذلك عن القارة العجوز أوروبا. ومن ثمَّ فقد أنشأؤوا لأنفسهم أكبر دور للقمار في العالم، أطلقوا عليها أسم البورصات، لأنَّ هذه الدور لا تُتداول فيها إلاَّ أسهم شركاتهم الاحتكارية الضَّخمة، ووفق قوانينَ وضعوها بأنفسهم مضبوطةً على مقاسهم، وهم يجلسون في المكاتب الفخمة التيِّ نصبوها أكبر فخاخ للسَّطو على المال العالمي في هجير الجاهلية المادية الحاضرة، يقبعون وراءها مثل الوحوش الكاسرة، يتلمَّظون الفرائس من المعسرين والمنكوبين الذين تحلُّ بهم المصائب، فيحتاجون المال للطعام أو الكساء أو الدواء، أو حتىَّ لدفن موتاهم في بعض الأحيان، فلا يجدون في هذا العالم المادِّي الضَّنين الشحيح من يمدُّ لهم يد المعونة البيضاء، فيلجؤون مرغمين إلى أوكار الوحوش للتسوُّل من فتاتهم فينقضُّون عليهم، انقضاض الأفاعي الضخمة التيِّ تنصب كمائنَها في الأحراش لفرائسها، ثمَّ تلتهمها عن آخرها. ولقد تجاوز عدد الجوعى في العالم المتمدِّن، عالمِ الذرة والحاسوب، وعالم غزو الفضاء وأطفالِ الأنابيب، في جاهلية القرن الواحد والعشرين أكثر من مليار شخص تحت خطِّ الفقر، منهم 100 مليون انضمَّوا إلى القائمة هذه السنة فقط، بحيث يموت منهم شخص في كلِّ 6 ثوان بسبب سوء التغذية، ممَّا جعل الأمين العام لمنظمة الأغذية والزراعة العالمية يدعو العالم كلَّه في القمَّة العالمية للمنظمَّة التيِّ انعقدت في روما، والتيِّ سمَّوها قمَّة محاربة الجوع، يدعو إلى الصيام أو الإضراب عن الطعام يوم 15 نوفمبر 2009 تضامنًا مع المليار جائع في العالم الذين صاروا يهدِّدون السِّلم العالمي، زيادة على العبء الاجتماعي، وكيف لا تتحقَّق هذه الوضعية الخطيرة وما يستقبل أسوأ نتيجةً حتميةً وقد صار المال دولة بين الأغنياء.
المظهر الرابع: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
إنَّ القضية تتعلَّق بأمر بغيض مخلٍّ للشَّرف، تتألق مخازيه في كلِّ قلب مريض متحل بالسَّرف، ذالكم هو مظهر التَّرف، الذي استشرى خطره في الخلف، بأفظع مما كان عليه في السلف، وقد صار العالم يلبِس مظاهره، ويلمِس مخاطره، وتطيش إلينا بوادرُه، وتُعلن فينا نواذره، فما هو التَّرف في المصطلح القرآني، وما هي عواقب المترفين في العرف الرِّباني.
التَرَفُ هو المبالغة في التَّنَعُّمُ، أو المبالغة في الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا، والمُتْرَفُ هو الذي أَبْطَرَتْه النعمةُ وسِعَةُ العَيْشِ، وهو المُتَوَسِّعُ في مَلاذِّ الدنيا وشَهواتِهَا. والمترفون