مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

04 باجو - الشيخ أبو إسحاق فقيها - الحلقة 02

الجزء ٥ · صفحة ٥٨

ولقد حث كلام الله العزيز العقول إلى عرض المستحدثات على قواعده، وأرشد إلى مناط الاستنباط وموارد التفقه، حتى لا يعجز من منحَه الله رسوخا في أصوله أن يردَّ كل حادثة إلى أصل من تلك الأصول، وأن يعطي لكل نازلة حكما تستسيغه العقول. فوجب تطبيق ما يجدّ من الحوادث، وما يبدو من الكوائن في مرافق الناس ومعايشهم على أصول الشريعة.

وعلى ذلك جرى السلف الصالح والخلف الراجح من أئمة العلم، فكانت الحوادث تعرض على الأصول فتقرر ما يكون مصلحة للعباد\ وسعادة في المعاش والمعاد، فإذا هذه الأمة الكريمة ذات ثروة هائلة من المؤلفات، وعظمة ما بعدها من علوم وفنون، تفاخر كل الأمم بما أوتيت من كمال وجلال، ورفعته عن البشرية من آصار وأغلال. وما هذه المبتكرات مما ألهم الله الإنسان إليها إلا ذرة كونية من آيات الله لمح إليها في كتابه العزيز أو نطق بها صريح قرآنه الحكيم المعجز. چ ک ک گ گ گ گ? ? ? ? … ? ? چ [النمل 93].

وما التليفون والكهرباء والراديو-المذياع- والتلفزيون-الهاتف المصور- وأمثالها إلا آيات الله عزَّ شأنه دالة على كماله الباهر، وجلاله الظاهر، وعلى أن آياته جل جلاله لا تنحصر ولا تقف عند حدّ، وأن البشر لا يحيطون إلا بما شاء من عمله، ذلك تقدير العزيز العليم.

تلك آيات الله اقتضتها مصالح البشرية فاتجهت إلى العقول، فلا حرج فيها ولا مندوحة عن أنبائها، إذ أصبحت جزءًا من نظام الحياة، چ ? ? ? … ? ? … ?? ? ? ? ? چ [النمل 88]»(1).

ويجتهد أبو إسحاق لبيان مقاصد التشريع حتى في القضايا الأصولية كقضية الولاية والبراءة، وما يعدّه البعض من هجران المجاهر بالمعاصي قسوة وجفاء، يراه أبو إسحاق رحمة بالفرد والأمة جمعاء، «فالبراءة ليست حاجزا يمنع من مشاركة أصحابها متى اقتضت الحال ذلك … ، فمتى انتاب الأمة أمر، أو حصلت لهم نكبة وجب على عموم أفرادها الالتفاف حول بعضهم بعضًا، والتعاون على دفع ما ألمّ بهم، وكذا ما هو جلب لمصلحة، لأن أحوال المجموع لا تستقيم إلا بالتعاون، ولا تتم إلا بقيام كل بواجبه نحو أمته، والتعاون واجب بين الجميع لقوله تعالى ژ ? ? ? ?ژ [المائدة 02] والمتبرَّأ منه يجب عليه الإقلاع من

(1) - أبو إسحاق، الصوم بالتلفون والتلغراف، ص 4 - 5.

٥٧ / ٣٢٩