طرف من أخبار ابن عتيق
الجزء ١ · صفحة ١٧٠ومن كلام العرب: كل فحلٍ يمذي وكل أنثى تقذي؛ وهو أن يكون منها مثل المذي ولمَنَى موضعٌ آخر، يقال: منى الله لك خيراً، أي قدر لك خيراً، ويقال: منى اللهُ أن ألقى فلاناً، أي قدرَ، والمنيةٌ من ذا، يقال: لقيض فلانٌ منيته، أي ما قدرَ له من الموت، فأما المنيئة بالهمزة فهي المدبغةُ، وهي المكان الذي يدبغ فيه.
وقوله:
إذا راح نحو الجمرة البيضُ كالدمى
الجمرة إنما سميت لاجتماع الحصى فيها، ومن ثم قيل: لا تجمروا المسلمين فتفتنوهم وتفتنوا نساءهم، أي لا تجمعوهم في المغازي، والتجمير التجميع. وكذلك قيل في جمراتِ العرب، وهم: بنو نمير بن عامرِ بن صعصعةَ، وبنو الحارث بن كعب بن علةَ بن جلدٍ، وبنو ضبةَ بن أدِّ بن طابخةَ، وبنو عبس بن بغيض بن ريثٍ. لأنهم تجمعوا في أنفسهم ولم يدخلوا معهم غيرهم. وأبو عبيدةَ لميعدد فيهم عبساً في كتاب الديباج ولكنهقال: فطفئت جمرتانِ، وهما بنو ضبةَ - لأنها صارت إلى الرباِ فحالفت - وبنو الحارثِ، لأنها صارت إلىمذحجٍ؛ وبقيت بنو نميرٍ إلى الساعة، لأنهالم تحالف، وقال النميري يجيب جريراً:
نميرٌ جمرةُ العربِ التي لم … تزل في الحرب تلتهب التهابا
وإني إذا أسبُ بها كليباً … فتحت عليهم للخسف بابا
وقال في هذا الشعرِ:
ولولا أن يقال هجا نميراً … ولم تسمع لشاعرها جوابا
رغبنا عن هجاء بني كليبٍ … وكيف يشتام الناس الكلابا!
لعمر بن أبي ربيعة في الثريا بنت علي
وقال عمرُ بن عبد الله بن أبي ربيعة:
ليت شعري هل أقولن لركبٍ … بفلاة هم لديها هجوع
طالما عرستم فاستقلوا … حان من نجم الثريا طلوعُ
إن همي قد نفى النوم عني … وحديث النفس شيءٌ ولوعُ
قال لي فيها عتيق مقالاً … فجرت مما يقولُ الدموعُ
قال لي: ودع سليمى، ودعها … فأجاب القلبُ: لا أستطيعُ
لا تلمني في أشتياقي إليها … وأبكِ لي مما تجنُّ الضلوعُ
قوله:
حان من نجم الثريا طلوعُ
كنايةٌ، وإنما يريدٌ الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أميةَ الأصغر، وهم العبلات. وكانت الثريا وأختها عائشة أعتقتا الغريض المغني، واسمه عبدُ الملك، ويكنى أبا يزيد، ويقول إسحاق بن إبراهيم الموصلي: إنما سمي الغريض بالطلع، لأن الطلع يقالُ له الإغريض، وليس هو عندي ما قال، وإنما سمي الغريض لطرائته، يقال: لحمُ غريضٌ. وكانت الثريا موصوفة بالجمال، وتزوجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوفٍ الزهري، فنقلها إلىمصر، فقال عمرُ، يضربُ لهما المثل بالكوكبين:
أيها المنكحُ الثريا سهيلاً … عمركَ الله، كيف يلتقيانِ!
هي شاميةٌ إذا ما استقلت … وسهيلٌ إذا استقل يماني
وقوله:
قال لي فيها عتيق مقالاً
يزعمُ الرواة أن كل شيء ذكر فيه عتيقاً أو بكراً فإنما يعني ابن أبي عتيقٍ.
طرف من أخبار ابن عتيق
وكان ابن أبي عتيق من نساكِ قريشٍ وظرفائهم، بل كان قد بذهم ظرفاً، وله أخبارٌ كثيرةٌ، سمير بعضها في الكتابِ، إن شاء الله.
فمن طريف أخباره أنه سمعَ وهو بالمدينة قول ابن أبي ربيعة:
فما نلت منها محرماً غير أننا … كلانا من الثوب المطرفِ لابسُ
فقال: أبنا يعلبُ ابن أبي ربيعة! فأي محرم بقي! فركب بغلته متوجهاً إلى مكة، فلما دخل أنصاب الحرم، قيل له: أحرم، قال: إن ذا الحاجةِ لا يحرم، فلقي ابن أبي ربيعة فقال: أما زعمت أنك لم تركب حراماً قط! بلى، قال: فما قولك:
كلانا من الثوب المطرفِ لابسُ
فقال له: إذاً أخبركَ! خرجت بعلةِ المسجد، فصرنا إلى بعض الشعابِ، فأخذتنا السماءُ، فأمرتُ بمطرفي فسترنا الغلمانُ به، لئلا يروا بها بلةً فيقولوا: هلا استترت بسقائف المسجد! فقال لهابن أبي عتيقٍ: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنةٍ.
وهو الذي سمع قول عمر بن أبي ربيعة:
من رسولي إلى الثريا بأني … ضقت ذرعاً بهجرها والكتابِ!