الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

خالد صامة والوليد بن يزيد

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

وقوله: أن ترحبا يريد: أن تتسع، أي تتسع صدروهما، من قولهم: فلانُ رحيب الصدرِ.

وقوله: أحصرُ أضيق به ذرعاً، قد مضى تفسيره.

وقوله: مجني يريد تُرسي.

وقوله: ثلاث شخوص والوجهُ ثلاثةً أشخُصٍ ولكنها لما قصد إلى النساء أنثَ على المعنى، وأبان لما أرادَ بقوله: كاعبانِ ومعصرُ.

ومثله قولُ الشاعر:

فإن كلابا هذا عشرُ أبطنٍ … وأنت بريء من قبائلها العشرِ

فقال: عشرُ أبطنٍ، لن البطنَ قبليةٌ، وأبانَ ذلك في قوله: من قبائلها العشرِ، وقال الله جل وعز: " من جاء بالحسنةِ فله عشرُ أمثالها " الأنعام: 160 لأن المعنى حسناتٌ.

ويروى أن يزيد بن معاوية لما أراد توجيه مسلم بن عقبةَ المري إلى المدينة اعترض الناس، فمر به رجل من أهل الشام معه ترسٌ قبيح، فقال له: يا أخا أهل الشأم، مجن ابن أبي ربيعة أحسن من مجنك! يريد قول ابن أبي ربيعة:

فكان مجني دون من كنت أتقي … ثلاثَ شخوصٍ كاعبان ومعصرِ

وقوله: أما تستحي، يريد: تستحيي وله تفسير يبعد في العربية قليلاً، وسنذكره بعد هذا، إن شاء الله.

باب

عمر الوادي والعبد الأسود

قال أبو العباس: وحدثتُ أن عمر الوادي قال: أقبلتُ من مكة أريدُ المدينةَ، فجلعتُ أسيرُ في صمدٍ من الأرض، فسمعت غناءً من القرار لم أسمع مثله، فقلت: والله لأتوصلن إليه ولو بذهاب نفسي، فانحدرتُ إليه، فإذا عبدٌ أسود، فقلت له: أعد علي ما سمعت، فقال لي: والله لو كان عندي قرى أقريك ما فعلتُ، ولكني أجعله قراكَ، فإني والله ربما غنيت هذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط، وربما غنيته وأنا عطشان فأروى، ثم انبرى يغنيني:

وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها … رى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها

من الخفراتِ البيضِ ود جليسها … إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

وبعده:

وتحلل أحقادي إذا ما لقيتها … وتبقى بلا ذنبٍ علي حقودها

وكيف يحب القلب من لايحبه … بلى قد تريد النفس من لا يريدها

قال عمر: فحفظته عنه، ثم تغنيت به على الحالات التي وصف، فإذا هو كما ذكر.

خالد صامة والوليد بن يزيد

وتحدث الزبيريون عن خالد صامة أنه كان من أحسن الناس ضرباً بعودٍ، قال: فقدمت على الوليد بن يزيد، وهو في مجلس ناهيك به مجلساً! فألفيته على سريره، وبين يديه معبدٌ، ومالكُ بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كمال غزيل الدمشقي، فجعلوا يغنون، حتى بلغت النوبة لي فنيته:

سرى همي وهم المرء يسري … وغار النجم إلا قيد فترِ

أراقب في المجرةِ كل نجمِ … تعرض أو على المجراة يجري

لهم ما أزال له قريناً … كأن القلب أبطن حر جمرِ

على بكرٍ أخي فارقت بكراً … وأي العيش يصلح بعد بكرِ!

فقال لي: أعد يا صام؛ ففعلت، فقال لي: من يقول هذا الشعر؟ فقلت: هذا يقوله عروة بن أذينة يرثي أخاه بكراً، فقال لي الوليد:

وأي العيس يصلح بعد بكرِ

هذا العيش الذي نحن فيه، والله قد تحجر واسعاً على رغم أنفهِ.

وحدثت أن سكينة بن الحسين أنشدت هذا الشعر، فقالت: ومن بكرٌ؟ فوصف لها، فقالت: أذاك الأسيد الذي يمر بنا؟ والله لقد طاب كل شيءٍ بعد ذاك، حتى الخبز والزيتُ.

من أخبار يزيد بن عبد الملك

وروى أصحابنا أن يزيد بن عبد الملك - وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية وإليها كان ينسب - قال يوماً: يقال: إن الدنيا لم تصف لأحد قط يوماً، فذا خلوت يومي هذا فاطووا عني الأخبار، ودعوني ولذتي وما خلوتُ له، ثم دعا بحبابة، فقال: اسقيني وغنيني، فخلوا في أطيب عيش، فتناولت حبابةُ حبة رمان، فوضعتها في فيها، فغصت بها فماتت، فجزع يزيد جزعاً أذهله ومنه من دفنها، حتى قال له مشايخ بني أمية؛ إن هذا عيب لا يستقال، وإنما هذه جيفة، فأذنَ في دفنها، وتبع جنازتها، فلما واراها قال: أمسيت والله فيك كما قال كثيرٌ:

فإن تسلُ عنك النفس أو تدعِ الهوى … فباليأس تسلو عنك لا بالتجلدِ

وكل خليلٍ راءني فهو قائلٌ … من اجلك: هذا هامة اليوم أو غدِ

فعد بينهما خمسة عشر يوماً.

١٧٥ / ٣٣٦