الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

الفرزدق يسمع الأحوص يغني بشعر جرير

الجزء ١ · صفحة ١٧٧

قل لعلي: أيا فتى العربِ … وخير نام وخير منتسبِ

أعلاك جداك يا علي إذا … قصر جدٌّ في ذروة الحسبِ

ففتش عن المغني فوجده لم يدر فيمن الشعرُ. فبحث عن أول من تغنى فيه، فذا هو عبدُ الرحيم الرقاص، فأمر فضرب أربعمائة سوط.

معاوية وابنه يزيد

وحدثت أن معاوية استمع على يزيد ذات ليلةٍ، فسمع من عنده غناءً أعجبه، فلما أصبح قال ليزيد: من كان ملهيك البارحة؟ فقال له يزيد: ذاك سائب خاثرٍ، قال: إذاً فأخثر له من العطاء.

؟وحدثت أن معاوية قال لعمرو: امضِ بنا إلى هذا الذي قد تشاغل باللهو وسعى في هدم مروءته، حتى ننعى عليه، أي نعيب عليه فعله - يريد عبد الله بن جعفر بن أبي طالبٍ - فدخلا إليه، وعنده سائبُ خاثر، وهو يلقي على جوارٍ لعبدِ الله، فأمر عبد الله بتنحية الجواري لدخول معاوية، وثبت سائبُ مكانه، وتنحى عبد الله عن سريره لمعاوية، فرفع معاويةُ عمراً فأجلسه إلى جانبه، ثم قال لعبد الله: أعد ما كنت فيه، فأمر بالكراسي فالقيت، وأخرج الجواري، فتغنى سائبٌ بقول قيس بن الخطيم:

ديارُ التي كادت ونحن على منى … تحل بنا لولا نجاء الركائبِ

ومثلك قد اصبتُ ليست بكنةٍ … ولا جارةٍ ولا حليلة صاحبش

وردده الجواري عليه، فحرك معاويةُ يديه وتحرك في مجلسه، ثم مد رجليه، فجعل يضرب بهما وجه السرير. فقال له عمروٌ: اتئد يا أمير المؤمنين، فإن الذي جئت لتلحاه أحسن منك حالاً وأقل حركة. فقال معاوية: اسكت لا أبا لك! فإن كل كريمٍ طروبٌ.

سفيان بن عيينة وجاره السهمي

وحدثت من غير وجه أن سفيان بن عيينة قال لجلسائه يوماً: إني أرى جارنا هذا السهمي قد أثرى وانفسحت له نعمةٌ، وصار ذا جاهٍ عند الأمراء، ووافداً إلى الخلفاء، فمم ذاك؟ يعني يحيى بن جامعٍ، فقال له جلساؤه: إنه يصير إلى الخليفة فيتغنى له، فقال سفيانُ: فيقول ماذا؟ فقال أحدُ جلسائه: يقول:

أطوف نهاري مع الطائفني … وأرفع من مئزري المسبلِ

فقال سفيان: ما أحسن ما قال! فقال الرجلُ:

واسهر ليلي مع العاكفين … وأتلوا من المحكم المنزلِ

قال:حسن والله جميل، قال: إن بعد هذا شيئاً، قال سفيان: وما هو؟ قال:

عسى فارج الكرب عن يوسفٍ … يسخرُ لي ربةَ المحملِ

فزوى سفيانُ وجههُ، وأومأ بيده أن كفَّ، وقال: حلالاً حلالاً!

ابن أبجر يغني لعطاء بن رباح

ولقي ابن أبجر عطاء بن أبي رباح وهو يطوف، فقال: اسمع صوتاً للغريض، فقال له عطاءُ: يا خبيث، أفي هذا الموضع! فقال ابن أبجر:ورب هذه البنية لتسمعنه خفيةً، أو لأشيدنَّ به، فوقف له، فتغنَّى:

عوجي علينا ربةَ الهودج … إنكِ إلا تفعلي تحرجي

أنى أُتيحت لي يمانةٌ … إحدى بني الحارثِ من مذحجِ

تلبث حولاً كاملاً كلهُ … لا نلتقي إلا على منهجِ

في الحج إن حجت، وماذا منًى … وأهله إن حي لم تحججِ!

فقال له عطاء: الكثير الطيب يا خبيث!

سليمان بن عبد الملك في عسكره

وسمع سليمان بن عبد الملك متغنياً في عسكره، فقال: اطلبوه، فجاؤوا به، فقال: أعد ما تغنيت، فتغنى واحتفل، وكان سليمانُ مفرطَ الغيرةَِ، فقال لأصحابه: والله لكأنها جرجرةُ الفحلِ في الشوالِ، وما أحسب أنثى تسمعُ هذا إلا صبت. ثم أمر به فخصي.

الفرزدق يسمع الأحوص يغني بشعر جرير

وحدثت أن الفرزدق قدم المدينة فنزل على الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فقال له الأحوص: ألا أسمعك غناءً من غناءِ القرى؟ فأتاه بمغنٍّ فجعل يغنيه، فكان ما غناه:

أتنسى إذ تودعنا سليمى … بفرغ بشامةٍ، سقي البشامُ!

ولو وجد الحمامُ كما وجدنا … بسلمانين لاكتأب الحمامُ

فقال الفرزدق: لمن هذا الشعر؟ فقالوا: لجريرٍ، ثم غناه:

اسرى لخالدةَ الخيالُ ولا أرى … شيئاً ألذ من الخيالِ الطارقِ

إن البليةَ من تملُّ حديثَه … فانقع فؤادكَ من حديثِ الوامِقِ

فقال: لمن هذا؟ فقيل: لجرير، ثم غناه:

إن الذين غدوا بلبكَ غادروا … وشلا بعينك ما يزالُ معينا

١٧٧ / ٣٣٦