الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من تكاذيب الأعراب

الجزء ١ · صفحة ١٦١

والحنان: الرحمة، قال الله عز وجل: " وحنانا من لدنا " . وقال الشاعر: وهو الحطيئة لعمر بن الخطاب رحمه الله:

تحنن علي هداك المليك … فإن لكل مقام مقالا

وقال طرفة:

أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشر أهون من بعض

قال أبو العباس: وحدثني غير واحدٍ من أصحابنا، قال: قيل لرؤية: ما قولك:

لو أنني عمرت سن الحسل … أو عمر نوح زمن الفطحل

والصخر مبتل كمثل الوحل

ما زمن الفطحلي؟ قال: أيام كانت السلام رطاباً.

قوله: سن الحسل مثل؛ تضربه العرب في طول العمرِ.

وأنشدني رجل من بني العنبر، أعرابي فصيح، لعبيد بن أيوب العنبري:

كأني وليلى لم يكن حل أهلنا … بواد خصيب والسلام رطابُ

وحدثني سليمان بن عبد الله عن أبي العميثل مولى العباس بن محمد: تكاذب أعرابيان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي، فإذا أنا بظلمة شديدة، فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل بفرسي عليها حتى أنبهتها، فانجابت؛ فقال الآخر: لقد رميت ظبياً مرة بسهم فعدل الظبي يمنة، فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي، فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر فانحدر عليه حتى أخذه.

وتزعم الرواة أن عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب قال لبني الجون الكنديين يوم جبلة: إن لي عليكما حقا لرحلتي ووفادتي، فدعوني أنذر قوميمن موضعي هذا، فقالوا: شأنك، فصرخ بقومه بعد أن قالا له: شأنك، فأسمعهم على مسيرة ليلةٍ.

ويروى عن حماد الرواية قال: قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها: أرأيت قول أبيك:

بني عامر هل تعرفون إذا غدا … أبو مكنف قد شد عقد الدوابرِ

بجيش تضل البلق في حجراته … ترى الأكم منه سجداً للحوافرِ

وجمع كمثل الليل مرتجس الوغى … كثير تواليه سريع البوادر

أبت عادة للورد أن يكره الوغى … وحاجة رمحي في نمير بن عامرِ

فقلت لأبي: أحضرت هذه الوقعة؟ فقال: نعم. فقلت: فكم كانت خيلكم؟ قال: ثلاث افراس، أحدها فرسه، قال: فذكرت هذا لابن أبي بكر الهذلي، فحدثني عن أبيه قال: حضرت يوم جبلة، قال: وكان قدبلغ مائة سنة؛ وكان قد أدرك أيام الحجاج، قال: فكانت الخيل في الفريقين، مع ما كان مع ابني الجوني - ، ثلاثين فرساً، قال: فحدثتُ بهذا الحديث الخثعمي - وكان رواية أهل الكوفة - فحدثني: أن حثعم قتلت رجلاً من بني سليم بن منصور، فقالت أخته ترثيه:

لعمري وما عمري علي بهين … لنعم الفتى غادرتم آل حثعما

وكان إذا ما أورد الخيل بيشةً … إلى جنب أشراج أناخ فألجما

فأرسلها رواً رعالاً كأنها … جراد زهته ريح نجد فأتهما

فقيل لها: كم كانت خيل أخيك؟ فقالت: اللهم إني لا اعرف غلا فرسه.

قوله: " قد شد عقد الدوابر " يريد عقد دوابر الدرع، فإن الفارس إذا حمى فعل ذلك.

وقوله: " تضل البلق في حجراته " يقول: لكثرته لا يرى فيه الأبلق، والأبلغ مشهرو المنظر؛ لاختلاف لونيه، من ذلك قوله:

فلئن وقفت لتخطفنك رماحنا … ولئن هربت ليعرفن الأبلق

وحجراته: نواحيه.

وقوله: ترى الأكم منه سجداً للحوافر يقول: لكثرة الجيش تطحن الأكم حتى تلصقها بالأرض.

وقوله: كمثل الليل يقول: كثرة، فيكاد يسد سواده الأفق، ولذلك يقال: كتيبة خضراءُ، أي سوداء، وكانت كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هو فيها والمهاجرون والأنصار يقال لها: الخضراء.

والمرتجس: الذي يسمع صوته ولا يبين كلامه، يقال: ارتجس الرعد، من هذا. والوغى: الأصوات.

والتوالي: اللواحق، يقال: تلا يتلوه، إذا اتبعهُ، وتلوتُ القرآن أي أتبعت بعضه بعضاً، والمتلية: التي معها أولادها.

وقوله: فارسلها رهواً، يقول: ساكنت، قال الله جل وعزَّ: " وأترك البحر رهواً " ؛ ويقال: عيش راهٍ يا فتى، أي ساكن.

ورعال: جمع رعيل، وهو ما تقدم من الخيل، يقال: جاء في الرعيل الأول قال عنترةُ:

إذ لا أبادر في المضيق فوارسي … ولا أوكل بالرعيل الأولِ

قوله: زهته ريح نجد فاتهما يقول: رفعته واستخفته، قال ابن أبي ربيعة:

١٦١ / ٣٣٦