من تكاذيب الأعراب
الجزء ١ · صفحة ١٦٢فلما تواقفنا وسلمت أشرقت … وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
ومعنى أتهم أتى تهامة.
وزعم أبو عبيدة عمر بن المثنى عمن حدثه أن بكر بن وائل أرادت الغارة على قبائل بني تميم، فقالوا: إن علم بنا السليك أنذرهم، فبعثوا فارسين على جوادين يريغان السليك، فبصرا به فقصداه، وخرج يمحص كأنه ظبي، فطارداه سحابة يومهما، فقالا: هذا النهار، ولو جن عليه الليل لقد فتر، فجدا في طلبه، فذا بأثره قد بال فرغا في الأرض وخدها، فقالا: قاتله الله! ما أشد متنيه! ولعل هذا كان من أول الليل فلما امتد به الليل فتر، فاتبعاه، فإذا به قد عثر باصل شجرةٍ فندر منها كمكان تلك، وانكسرت قوسه؛ فارتزت قصدة منها في الأرض فنشبت، فقالا: قاتله الله! واللهِ لا نتبعه بعد هذا، فرجعا عنه، وأتم إلى قومه.
ش: يروى أتم بألفٍ، وتم بغير الألف ونم بالنون، ومعنى تم إلى قومه أي نفذ.
فأنذرهم، فلم يصدقوه لبعد الغاية، ففي ذلك يقول:
يكذبني العمران عمرو بن جندب … وعمرو بن كعب والمكذب أكذب
ثكلتكما إن لم أكن قدر أيتها كراديس يهديها إلى الحي موكبُ
كراديس فيها الحوفزان وحوله … فوارس همام متى يدع يركبوا
فصدقه قوم فنجوا، وكذبه قوم فورد عليهم الجيش فاكتسحهم.
وحدثني التوزي قال: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب؟ فقال لي: إن العجم تكذب فتقول: كان رجلٌ ثلثه من نحاسٍ، وثلثه من رصاصٍ، وثلثه من ثلج، فتعارضها العرب بهذا وما أشبه.
من ذلك قول مهلهل بن ربيعة:
فلو نشر المقابر عن كليبٍ … فتخبر بالذنائب أي زيرِ!
بيوم الشعثمين لقر عينا … وكيف لقاء من تحت القبورِ
كأنا غدوة وبني أبينا … بجنب عنيزة رحيا مديرِ
كأن رماحهم أشطان بئرٍ … بعيدٍ بين جاليها جرورِ
فلولا الريح أسمع من بحجرٍ … صليل البيض تقرع بالذكورِ
قال أبو الحسن: يقال فلان: زير نساءٍ، وطلب نساء، وتبع نساءٍ، وخلوا نساءٍ؛ إذا كان صاحب نساء، وذلك أن مهلهلاً كان صاحب نساء، فكان كليب يقول: إن مهلهلاً زير نساءٍ ولا يدرك بثأر، فلما أدرك مهلهلٌ بثأر كليبٍ، قال أي زير! فرفع أياً بالابتداء، والخبر محذوف، فكأنه قال: أي زير أنا في هذا اليوم!.
قال أبو العباس: وحدّثني عمرو بن بحر قال: أتيت أبا الربيع الغبوي وكان من أفصح الناس وأبلغهم، ومعي رجل من بني هاشم، فقلت: أبو الرّبيع ههنا؟ فخرج إليّ وهو يقول: خرج إليك رجل كريم. فلمّا رأى الهاشميّ استحيا من فخره بحضرته، فقال: أكرم الناس رديفاً وأشرفهم حليفاً. فتحدثنا ملياً، فنهض الهاشمي، فقلت لأبي الربيع: يا أبا الربيع من خير الخلق؟ فقال: الناس والله، فقلت: من خير الناس؟ قال: العرب والله، فقلت: فمن خير العرب؟ قال: مضر والله، قلت: فمن خير مضر؟ قال: قيس والله، قلت: فمن خير قيس؟ قال: يعصر والله، قلت: فمن خير يعصر؟ قال: غنيّ والله، قلت: فمن خير غنيّ؟ قال: المخاطب لك والله، قلت: أفأنت خير الناس؟ قال: نعم إي والله، قلت: أيسرّك أن تحتك بنت يزيد بن المهلب؟ قال: لا والله، قلت: ولك ألف دينار؟ قال: لا والله؟ قلت: فألفا دينار؟ قال: لا والله، قلت: ولك الجنّة! فأطرق مليّاً ثم قال: على ألاّ تلد منّي، وأنشد:
تأبى لأعصر أعراق مهذبة … من أن تناسب قوماً غير أكفاء
فإن يكن ذاك حتماً لا مردّ له … فاذكر حذيف فإني غير أبّاء
وقوله: " أكرم الناس رديفاً " فإن أبا مرثد الغنوي كان رديف رسو الله صلى الله عيه وسلم.
وقوله: " وأشرفهم حليفاً " ، كان أبو مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب.
وقوله: " فاذكر حذيف " ، أراد حذيفة بن بدر الفزاري، وإنما ذكره من بين الأشراف لأنه أقربهم إليه نسباً، وذاك أن يعصر ابن سعد بن قيس، وهؤلاء بنو ريث بن غطفان بن سعد بن قيس. وقد قال عيينة بن حصن يهجو ولد يعصر، وهم غنيّ وباهلة والطّفاوة:
أباهل ما أدري أمن لؤم منصبي … أحبّكم أم بي جنون وأولق
أسيّد أخوالي ويعصر إخوتي … فمن ذا الذي منّي مع اللؤم أحمق!
فقال الباهلي يجيبه: