من تكاذيب الأعراب
الجزء ١ · صفحة ١٦٣وكيف تحبّ الدهر قوماً هم الأولى … نواصيكم في سالف الدهر حلّقوا
ألست فزاريّا عليك غضاضة وإن كنت كنديا فإنك ملصق وتحدّث الرواة بأن الحجاج رأى محمد بن عبد الله بن نمير الثقفي، وكان ينسب بزينب بنت يوسف، فارتاع من نظر الحجاج إليه فدعا به، فلما عرفه قال مبتدئاً:
هاك يدي ضاقت بي الأرض رحبها … وإن كنت قد طوّفت كلّ مكان
ولو كنت بالعنقاء أو بيسومها … لخلتك إلا أن تصد تراني
ثم قال: والله إن قلت إلاّ خيراً، إنما قلت:
ولمّا رأت ركب النميري أعرضت … وكن من ان يلقينه حذرات
في كم كنت؟ قال: والله إن كنت إلاّ على حمار هزيل، ومعي رفيقي على أتان مثله.
ومن ذلك ما يحكون في خبر لقمان بن عاد، فإنهم يصفون أن جارية له سئلت عما بقي من بصره، لدخوله في السّنّ؟ فقالت: والله لقد ضعف بصره، ولقد بقيت منه بقيّة؛ إنه ليفصل بين أثر الأنثى والذكر من الذرّ إذا دبّ على الصّفا؛ في أشياء تشاكل هذا من الكذب.
وحدّثت أنّ امرأة عمران بن حطّان السّدوسي قالت له: أما حلفت أنّك لا تكذب في شعر؟ فقال لها: أو كان ذاك؟ قالت: نعم، قلت:
فكذاك مجزأة بن ثو … رٍ كان أشجع من أسامة
أيكون رجل أشجع من أسد! فقال لها: ما رأيت أسداً فتح مدينة قط، ومجزأة بن ثور قد فتح مدينة.
ومرّ عمران بن حطّان بالفرزدق وهو ينشد، فوقف عليه فقال:
أيها المادح العباد ليعطى … أن لله ما بأيدي العباد
فاسأل الله ما طلبت إليهم … وارج فضل المقسّم العواد
لا تقل للجواد ما ليس فيه … وتسمّ البخيل باسم الجواد
وأنشدني الحسن بن رجاء لرجل من المحدثين لم يسمّه:
أبا دلف يا أكذب الناس كلهم … سواي فإني في مديحك أكذب
وأنشدني آخر لرجل من المحدثين:
إنّي امتدحتك كاذباً فأثبتني … لمّا امتدحتك ما يثاب الكاذب
قال الأصمعي: قلت لأعرابي كنت أعرفه بالكذب: أصدقت قط؟ قال: لو لا أنّي أخاف أن أصدق في هذا لقلت لك: لا.
وتحدثوا من غير وجه أن عمرو بن معدي كرب كان معروفا بالكذب. وقيل لخلف الأحمر - وكان شديد التعصب لليمن - : أكان عمرو بن معد كرب يكذب؟ فقال: كان يكذب في المقال، ويصدق في الفعال.
وذكروا من غير وجه أن أهل الكوفة من الأشراف يظهرون بالكناسة فيتحدثون على دوابهم، إلى أن يطردهم حر الشمس، فوقف عمرو بنمعدي كرب وخالد بن الصقعب النهدي، فأقبل عمرو يحدثه، فقال: أغرنا مرة على بني نهدٍ، فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصقعب، فحملت عليه فطعنته فأذريته، ثم ملت عليه بالصمصامة، فأخذت رأسه، فقال له خالد: حلا أبا ثورٍ، إن قتيلك هو المحدث. فقال: يا هذا، إذا حدثت فاستمع، فإنما نتحدث بمثل ما تسمع لترهب به هذه المعدية.
قوله: مسترعفين يقو: مقدمين له، يقال: جاء فلان يرعف الجيش ويؤمن الجيش، إذا جاء متقدماً لهم، ويقال في الرعاف: رعف يرعف، لا يقال غير رعب، ويجوز يرعف من أجل العين، ليس من الوجه. وسنذكر هذا الباب بعد انقضاء هذه الأخبار؛ إن شاء الله.
وقوله: حلا أبا ثور يقول: استثن، يقال:حلف ولم يتحلل، أي لم يستثن.
وخبرت أن قاصا كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان، فاتفق هرم مرة معه في مسجد وهو يقول: حدثنا هرم بن حيان، مرة بعد مرة، بأشياء لا يعرفها هرم، فقال له: يا هذا، أترعفني؟ أنا هرم بن حيان، والله ما حدثتك من هذا بشيء قط، فقال له القاص: وهذا أيضاً من عجائبك، إنه ليصلي معنا في مسجدنا خمسة عشر رجلاً، اسم كل رجل منهم هرم بن حيان، كيف توهمت أنه ليس في الدنيا هرم بن حيان غيرك! وكان بالرقة قاص يكنى أبا عقيل، يكثر التحدث عن بني إسرائيل فيظن به الكذب، فقال له يوماً الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ قال: حنتمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أي الكتب وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص.
وقال القيني: أنا أصدق في صغير ما يضرني، ليجوز كذبي في كبير ما ينفعني.
وأنشد المازني للأعشى - وليس مما روت الرواة متصلاً بقصيدة:
فصدقتهم وكذبتهم … والمرء ينفعه كذابه