العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ٢٨٣

و لا خلاف في هذا، و من قال بغيره فهو مخادع، غَاشٍ للمسلمين، قادح فيهم، متهور بما قال، لأنه لم يُعْقَلْ أن يُحْصَرَ إمام المسلمين، و لا يعقل أن يقاتل أمير المؤمنين في قلب المدينة المنورة بين ظهراني الصحابة المسلمين، و حول الحرم المقدس بعين الأولياء المتقين، و بجوار رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، إلا أنه جَارٍ عن اتفاق، و ثابت بالاستحقاق.

و على كل حال، إذا فَكَّرْتَ في الأمر، رأيت أمراً باهراً ارتكبه الأمير الثالث حتى تغلغل الحنق من قلوب المسلمين، و تحكم بعدما استحكم حتى أثار حفائظ أهل الإيمان، و ألهب ضمائرهم، لأنه لو قتل غَيْلَةً لقائل أن يقول أن عثمان لم يظهر أمره، و لم تقم عليه حجة شاهرة، و لم يُعْرَفْ لقاتله مُصَوِّغٌ، و غير مستنكر قتل كهذا، فإنه طالما يقع الاغتيال في الأمراء، والملوك، و الزعماء و نحوهم، فبالأمس قتل عمر بن الخطاب.

إلَّا أن قتل عثمان كان بعد ثورة من المسلمين، وبعد حصار دام مدة شاع فيها الأمر، [212] و اتضح السَرُّ، و بَرَحَ الخفاءُ، حتى عرف بعدما عرف موجب القتل.

و قد سمعت ما يَعُدُّ على عثمان من الأحداث، و علمت مراجعة المسلمين له؛ ليرجع عَمَّا كان عليه، و يلتزم سيرة صاحبيه أبي بكر و عمر بن الخطاب - رحمه الله-، و أنت خبير أن المسلمين القاتلين لعثمان هم حجة الله في أرضه، و أهل الغيرة على حُرُمِهِ، و هم سور الإيمان، و هم أعمدة الإسلام، رهبان الليل، أسود النهار، مات عنهم رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و هو عنهم راضٍ.

فهل يعقل أن يقع هذا بمرأى منهم و مسمع إلا لسبب أوجب ذلك، لم يَرَوْا عنه بُدًّا، فإنهم راجعوه مرات، و لم تكن منه إلا مواعيد فارغة لا ثمرة لها، لذلك قاموا عليه من شتى الجهات، و اجتمع عليه كل من هناك من المسلمين، و لا مخالف لهم، و لا ناقم عليهم في ذلك أبداً.

٢٨٢ / ٤٧٢