علي وأهل النهروان يتفاوضون
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩علي وأهل النهروان يتفاوضون
رأى علي بن أبي طالب تبعاً لمطالب رؤساء جيشه، أن يتفاوض مع القوم، فأرسل إليهم ولده الحسن في خيل من خيله، فساءهم مجيئه على تلك الحال التي لا يأملون أن تكون من علي و آل علي، و كان ا لحسن لا يرى القوم أهل ضلالة، و لا خطأ فيما فعلوا، فلما وصلهم جرت المفاوضة بينه و إياهم، حتى أقنعوه قائلين له :" لما جئتنا على هذه الحال، هل أجرمنا ؟، هل فعلنا منكراً ؟، هل علمت عَنَّا خيانة أو ظلماً ؟ لِمَ يا حسن نُذَكِّرَك الله في دمائنا ؟، على ما تقاتلنا إلا أنا [253] سمينا أباك أمير المؤمنين فخلع نفسه و أبينا نحن ذلك، و دعوناه أن يمضي قدماً إلى قتال عدو الله و عدونا فأبى، و ثبتنا نحن على ذلك " (1).
" فنصرف الحسن عنهم مقتنعاً فلم يقاتلهم، و كان أرسل لذلك، و لعل أركان جيشه أرادوه مقدمة لهم فإذا وقع بينهم أدنى شيء يَكِرُّونَ عليهم.
و رجع حتى انتهى إلى أبيه، فقال له الأشعث : يا علي ناجز القوم، فإنهم إن كلموا الناس أفسدوهم"، وهنا يتجلى باطل القائد الخبيث، عَلِمَ أَنَّ القوم يتعلقون بالحقِّ، و التعلق به له تأثير في نفوس أهل الإيمان، فلم يَبْقَ الآن إلَّا استعمال القوة ، و إلا أفسدوهم عليك، يضع دهاءه في ضمن النصح ليختدع به الإمام.
" فما زال الأشعث بن قيس و رؤساء القبائل يَلِحُّون على الإمام، و لا يخفى حال الرؤساء في كل أمة، و ما زالوا به على أن يسير إلى أهل النهروان ليقاتلهم، و يقضي عليهم، و الإمام يأبى ذلك ويرفضه، و يرى أنهم لم يأتوا شيئا يستوجبون به قتالهم، و أنهم خاصته في صفين، و هم عدو معاوية والمَلكية المستبدة، فهم من حزبه يعملون لما يعمل له هو، و يجتهدون لما يعمل هو لتحقيقه.