تحقيق قضية التحكيم
الجزء ١ · صفحة ٣٥٢تحقيق قضية التحكيم
اعلم أَنَّه لمَّا رأى معاوية و أحزابه أن الدائرة تدور عليهم، و رأوا تحقق الغلبة للإمام عليهم، و أنهم إذا وقعوا في يده أن يحكم فيهم بحكم الله عز و جل، و تَيقَّنُوا إذ ذاك أن لا شام لمعاوية، و لا مصر لعمرو بن العاص، لجأوا إلى المكيدة، و حقيقتها حيلة إن نفعت، رأوا أن أهل العراق سريعوا الاختلاف والافتراق، وكان عمرو بن العاص من أدهى العرب، اخترع رفع المصاحف على الرَّماح، منادياً بها إنَّا نحاكمكم على كتاب الله عز و جل، فلمَّا رأى أهل العراق رفع المصاحف على الرؤوس، و النداء بالمحاكمة إليها [273] اختلفوا عليها بين قائل ارفعوا السيف فإنهم يناشدونكم حكم كتاب الله، و ليس لكم الآن قتالهم و الحال هذا، و بين قائل ضعوا السيف على أعناقهم، أو يخضعوا للحقِّ، و هل نحن قاتلناهم إلا على تركهم حكم الله عز و جل ؟!، و قد حكم الله تعالى شأنه فيهم نصاً!!، و هو قتال الباغي أو يفيء إلى أمر الله تعالى عز و جل.
بهذا وقع الاضطراب في جيش الإمام علي، و على كل حال إِنَّ الإمامَ بالجند، و إذا لم يكن جندٌ فلا إمارةً، و لا إمامة،ً و لا سلطنةً، و حينئذ بقي الإمام بين أمواج هذه الداهية الدهياء، التي أصيب بها في جيشه، الذي دَوَّخَ العدو سابقاً.
و كانت الأكثرية التي ترى ترك الحرب للمحاكمة، و بقيت الأقلية مَصِرَّة على عدم الرضى بذلك، و لكن الحكم للأكثر، و إذا اشتبهت الأمور لم يدرك الحقَّ فيها إلَّا الأقلون، و هذا أمر بديهي جربته الأمم على اختلاف أوضاعها، و في سالف تاريخها.
و إليك بيان ذلك عن علماء التاريخ :