[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢٩١و كان معاوية أدهى الناس، و من دهائه علمه بعلي بن أبي طالب تمام العلم، و خبرته الواسعة بأصحابه و أتباعه، و الذي يحبه، و الذي يبغضه، و ممن يؤثر عليه، و من هذه الوجهة دخل عليه، إذ دَسَّ له ناساً يحترمهم علي [219] لظواهر أحوالهم، و لا يعتقد فيهم غير الحقِّ، و هم أعوان معاوية، و أعمدة أمره، و قد ملء روعه بأمانيه، و غمرهم بآماله، و رأى النجاح له من هنا.
لقد جعل معاوية بن أبي سفيان الطلب بدم عثمان العصا التي يتوكأ عليها، فاتحاً بذلك باب الفتنة، ليقاسم علي بن أبي طالب الملك، و قد أدخل على أهل الشام جهيزة دم عثمان، و أنه قتل مظلوماً، و أن القاتلين باغون عليه، و أن لو كان معاوية المذكور موجوداً بالمدينة لما قَدَرَ أحدٌ أن يفعل في عثمان، و أنه هو المسئول عن دماء بني أمية، و السائل فيها، لكونه ابن السيد أبي سفيان الذي جعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - الأمان لمن دخل داره يوم الفتح، إذ كان رجلاً فخوراً، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن ذلك فجعلها مزية له، و إلى ذلك يشير القائل :
و أَنَّ معاوية يرى نفسه بتلك المنزلة، و أدخل على قلوب الشاميين ما تملكها به بدهائه، و ما كان ينفقه عليهم من الأموال، و المال فَعَّال قوي في قلوب السواد الأعظم الساذج، فإن إدراك الحقَّ لا يقدر عليه كل أحد، و بذلك خرج في مجامعهم يطوف عليهم بسربال عثمان، ملطخاً بالدم، ممزقاً بالضرب، و هو يبكي عليه بكاء الثكالى، كما قال العلامة أبو مسلم - رحمه الله[220]تعالى - ( 2 ):
وكان كلاً لا يهوى علياً، و لا يرجو خيره، فكان ذلك مؤثراً في قلوب أهل الشام، و كان معاوية أهبهم لهذا الصدد الذي ينويه.
=============================