[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢٩٠و لكن إذا قَدَّرَ الله أمراً في أزله كان، و في الكُّلِّ حكم لا يهتدي لها إلا الأخصاء ممن فتح الله لهم أبواب الهدى، فلم نزل المسلمون المدينة المنورة، و رَأَوْا ما رأوا من أمر عثمان، وتَعَوِّجِهِ، و عناده مراغمة للحقِّ، لم يروا من الواسع إلا أن يوقفوا عثمان في المحل الذي يرآه القرآن، و يرضى به أهل الإيمان، لا حيث يحب[218] عثمان، فهاجموه في داره بعد حصار دام مدة غير مخفية حتى قضوا عليه في حال يرثى له فيها إخوانه، فتزعزع ذلك الحجر، و انهار ذلك الصرح، و انْدَّكَ ذلك الطود الذي حاوله بني أمية، فتأخر القوم في ظاهر الأمر.
فقدم المسلمون علي بن أبي طالب إمام على الناس على النهج الذي مشى عليه إخوانه، و رأى صنيعهم في من انحرف عن الحقِّ، و مال عن طريق الصدق، فكان ذلك درس في ذاكرة كل ذي نهى.
و كان علي راسخ القدم لأهليته للإمامة، إذ كان عالماً، واعياً، جليلاً، هماماً، مقداماً لا يعرف الذعر، و لا يرهب الأخطار، غير مشغوف بحب الدنيا، و لا مؤثر له، و لا راكن إليها، و لم تُعْرَفْ له هفوة في شيء مما يعيب مثله، إلا تلكئه عن بيعة أبي بكر، ثم بايع و أبدى للمسلمين العذر، الذي كان سبب تأخره عن البيعة، فقبلوا منه.
فَوَلَّوه الأمر، و ذلك غاية اجتهادهم، فقام بالأمر قيام ساء آل أمية، خيب آمالهم، و أيقنوا أنهم خارجون عن دائرة الأمر و النهي، و حب الرئاسة يَدْرُسُ لهم أعمال علي بن أبي طالب، و إنه غير تاركهم لعدم استقامتهم كما يرى الشرع، بل لهم مآرب دنيا، و هي البلاء المهلك، و الردى الذي لا يَصِحُّ معه دين.