[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣وليعلم أولو الأمر أن أمثال هؤلاء ينبغي ألا توضع أياديهم في شيء من أمور المسلمين، فإنهم أعمدة بلاء، و أركان شر، لأنهم يطلبون الإمارة، و يحاولون الملك، فأي ولي أمر استعمل على أمر المسلمين كهؤلاء إلا نَدِمَ أَشَدَّ الندم، بل ينبغي أن يعطوا ثم يطردون عن الأمور طرداً، فإن الشر يأتي من قبلهم.
و لذلك لما رأى معاوية مُكْنَتَهُ من أهل الشام، و وعدهم المواعيد الكبيرة، و أفاض عليهم الدرهم و الدينار، و كانوا له نواة فعالة في سبيل صدده.
وقد كَشَفَ حقيقة الإباضية وَنَوايَاهُمْ و أعمالهم جملة من أجلة العلماء الذين فتح الله عليهم أبواب التوفيق للصالحات، فناضلوا عن الإباضية في كل ميادين الموضوعة أمام العقبات الخطرة، وحققوا عنهم كل صحيح ثابت، بما لا يرتاب فيه عاقل، وقد ذكرنا جملة منهم في كتابنا " أَصْدَقُ المَنَاهِجِ فِي تَمْيِيزِ الإبَاضِيَّةِ مِنِ الخَوَارِجِ " (1) و غيره من كتبنا في هذا الصدد،[221] فعسى الله أن يقدر نشرها على عناية صالح في الدين من أخصاء المسلمين.
كما قام بكشف المرام و تحقيق المقام، العالم الحر الغيور الصادق في قوله و فعله، الهمام محمد علي دبوز (2) صاحب " تاريخ المغرب الكبير " في غضون كتابه الجليل، أبدى فيه عن الإباضية الدرر المصون، و الجوهر المكنون، و الحقَّ الذي لا يمترى فيه أهل النهى، و قد حَلَّلَ المشاكل الموجهة ضد الإباضية تحليلاً لا مزيد عليه، و بيَّن أعمالهم الدينية والدنيوية بياناً يلجم أهل العناد بلجام القهر، و ينشر عليهم علم الحقِّ، الذي نشأت عليه نشأة الإباضية، و بَلَجَ تُرَّهَاتَ الغالين فيهم، و المتمردين عليهم من الجهلاء، والعتاة على الحقِّ، و يفتح آذاناً أغلقها التقليد، و عيوناً أعمها التضليل، و السنةً عرقلها العدوان.