العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ٢٩٤

و المقصود من هذا أن الإباضية هم الذين يثبتون على الحقِّ حين يحتار غيرهم و يتحير، و تلين قناته للباطل، و على الهوى المروي يعتمد، و عن النهج الحقِّ يتغير، أما الإباضية فينزلون كل أحد منزلته من الدِّين، و يتبرأون مِمَّنْ يخالف نَهْجَ المسلمين، فهم لا يحابون لأجل دنيا، و لا يخضعون لأهل الضلال، إلا ريثما يرون لوائح النصر فسرعان ما يترامون على أبوابها، و ليس لهم في عثمان ضغن أو في غيره من الناس ما وجدوا الدِّين جاري في مجاريه، و أحكام المسلمين على الصغير و الكبير لا تداريه و لا تجاريه، و للحقِّ أهل كما للباطل كذلك، فلذلك ترى الإباضية يتحاملون على من حَادَ عن الحقِّ مهما كان.[222]

واعلم أن معاوية بن أبي سفيان جعل الطلب بدم عثمان السُّلَمَ الذي يعرج عليه إلى إثارة الفتنة، و شَقَّ العصا بين المسلمين، ذلك لأن معاوية يعلم أن المسلمين اشتركوا في قتل عثمان، وعليه فهيهات الثأر لعثمان و قاتله المسلمون معاً، و علي بن أبي طالب من جملتهم، و هو إمامهم، و بهذا لا يحصل انقياد القاتلين لعثمان، فيكون سبباً لفتح باب الفتنة، ذلك لأن معاوية يطلب بدم عثمان، و علي لا يعترف له بدم ؛ لأن عثمان قتله المسلمون حين رأوه استوجب القتل، فأين الطلب بدمه ؟!.

و لو كان مثلاً قتل مظلوماً لكان دمه للإمام، و هو الذي يقوم بطلب القاتل شكا معاوية أو سكت، فمال لمعاوية يقوم طالباً حقا ليس له !!، و يعلم أنه لا يجده، لكنه قام ليفتح باباً يدخل منه للخلاف، و هو الدَّاهية الكبرى.

و بذلك كانت بين المسلمين الموقعة العظمى التي لا يكاد التاريخ يحفظ لنا مثلها، و هي في صفين سنة سبع و ثلاثين للهجرة، و فيها قتل عمار بن ياسر - رضي الله عنه - الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه و سلم -: " تَقْتُلَكَ الفِئْةُ البَاغِيَةُ " (3)، فقتل في جيش علي بن أبي طالب بصفين، و قاتله معاوية و جنوده.

٢٩٣ / ٤٧٢