[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨و قيام ابْنَيّ أُدَّية (18) في وجه، و هما جمرة حامية إيماناً، و إخلاصاً لله، و في الله، و حُزْنَ علي بن أبي طالب على ما أُجْبِرَ عليه من التحكيم من الأشعث، الذي فَكَّ هو و عمرو أزمة معاوية بن أبي سفيان، و تركاه في الرحب الوسيع حتى يجمع قوته فيضرب بها الإمام، و يُمَزِّقَ بها الإسلام حتى يجتني ثمرة دهائه و مكره، و هما معه، و لهما حظهما من ذلك.
فكانت[226] تلك الحالة ضربة قاسية لعلي بن أبي طالب الإمام، الذي يروم معاوية ابتزاز الأمر منه، و الاستيلاء عليه، و علي بمعزل عن مقاصد معاوية، و لكنه مغلوب عليه، مممكور به في الباطن، قد انْحَلَّ أساس أمره، و انهار صرح إمارته، أولاً من جهة اختلاف أمته و أهل طاعته، و خروج رجال الإيمان عن زعامته، وهذه أكبر خسارة على علي الإمام، و الثانية فسح المجال لمعاوية لإعادة قوة متوفرة يضرب بها خصمه، و كلاهما من أكبر مصالح الداهية الأموي، و علي مصمم على أن الأمر في يده، و أَنَّ النَّصْرَ حليفه، و كَأنَّه لم يكن شيءٌ يخشاه، يرى شجاعته الهاشمية، و قوته الإيمانية، و عزيمته المعروفة ينمحي بهن كل ما يبنيه معاوية و أحزابه، و لا يرى أن للسياسة فِعْلاً فوق القياس.
و كان الأشعث الخبيث متحكم على حركة علي وقوته الحربية، المبتلي به علي بن أبي طالب و جيشه، فكانت الأمور بيده، و الحركات رهن إشارته، و هو ضالٌ فاسقٌ مارقٌ من الدِّين، لا همة له إلا إرضاء معاوية و آل معاوية، و نبذ رأي المخلصين في التحكيم الذين يؤلمهم الأمر، و يهمهم وقوعه مهما كان، و بكاء الثواكل في الكوفة على القتلى في كل بيت عويل، و في كل مقام ضجيج، و في كل بقعة عجيج.
كل هذه الأشياء مما يؤثر على علي بن أبي طالب و يؤلمه، و أضف إلى ذلك شماتة الأمويين في الكوفة، إذ مَرَّ عليٌ عليهم، و هم يقولون:. " ما فعل علي بن أبي طالب شيئاً ذهب ثم انصرف " (19).