[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٣٠١وذكر التاريخ إباء القُرَّاءِ و خاصة الإمام علي بن أبي طالب للتحكيم، و احتجاجهم عليه،[227] و وَصَفَهُمْ بما يُعَطِّرُ أفاق التاريخ، و يبيَّض صفحات الشرف، و ما هم عليه من العلم و الإيمان، و حسن الصبر على البلايا المحدقة بهم، و استماتهم في سبيل الله عز و جل، و ما لهم من المزايا الحميدة، و الأعمال الرشيدة، و في مقدمتهم ذلك الهمام الكامل، و السيد الحلاحل، البطل الذي عرفه التاريخ، و لم تنكره الوغى عبدالله بن وهب الراسبي، الذي ما زال ثابتاً على الحقِّ في تلك المآزق، قائماً بالواجب تحت السيوف، و مازال قلب المعركة، و قطب رحاها، يَتَأَوَّهُ على التحكيم، و على الرجوع عن حرب معاوية الباغي عن الإمام و المسلمين، و قد سُفِكَتْ الدِّمَاءُ و هُتِكَتْ الحرم، وهلكت الأبطال في غير صالح علي و جيشه.
وقد قامت الخاصة تطالب علي بن أبي طالب بالرجوع عن التحكيم، لما يعلمون من حال معاوية و ما يقصده، و إِنَّ التحكيم في هذا مناقضٌ لحكم الله عز و جل في مَنْ بغى على الأمة، و ما كان على خلاف أمر الله عز و جل فهو فساد، و قد قاتل أبو بكر - رضي الله عنه - من منع الزكاة و لم يؤدها، مع أن الزكاة ليس للإمام بل هي لأناس مخصوصين ذكرهم الله في كتابه الكريم، و لكن لما كان الإمام قطب الأمن، و دائرة المجتمع، و إليه تؤدى الزكاة ليخرجها الإمام في مصالح المسلمين، إذا كان غير مستغنٍ عنها فإنه أحد مخارجها، و إن استغنى عنها دفعها إلى أهلها، و أجاز العلماء قتل مانعها، و هو مسلم يدين [228]بوجوبها.