اجتماع الحكمين لإنهاء قضيتهما
الجزء ١ · صفحة ٣٧١وما زال عمرو يفعل بأبي موسى هكذا،" و ما زالا يلتقيان على هذا الحال، و بقي الناس منتظرين أمر الرجلين حتى ملوا، و حتى اطمئن أبو موسى إلى عمرو، و سكنت إليه نفسه، و كان أبو موسى عند عمرو آلة يقلِّبها كيف شاء، حتى إذا رأى التمكن منه، و الاطمئنان إليه، و أقبل الأشعث بن قيس، و كان مِنْ أحرص الناس على إتمام الصلح، و الراحة من الحرب، فقال : " يا هذان، إنَّا قد كَرِهْنَا الحرب فلا تَرَّدَهَا إلينا، فإنها مُرَّة الرضاع و الفطام، فَكُفَّاهَا بما شئتما "، و كلا فريقين في همة استقبال شر، و أقبل سعيد بن قيس، و كان من أصحاب علي بن أبي طالب فقال : " أيها الرجلان، إني أراكما أبطأتما بهذا الأمر، حتى أيس القوم منكما، فإن كنتما اجتمعتما على خير فأظهراه للناس، نسمعه و نشهد عليه، و إن كنتما لم تجتمعا رجعنا إلى الحرب ".
ولما رأى عمرو الفرصة متواتية غدا إلى أبي موسى فقال له : " يا أبى موسى قد عَرِفَتَ حال معاوية في قريش، و شرفه في بني عبد مناف، و إنه ابن هند، و ابن أبي سفيان، فما ترى ؟ " و كان هذا أَوَّلُ شيء فتح به باب الضَّالة المنشودة.
فقال أبو موسى : " أما معاوية فليس بأشرف في قريش من علي!، و لو كان هذا الأمر على شرف الجاهلية كان أخوال ذي أصبح " (1) [290] و في رواية " لو كان الشرف حجة في هذا الأمر لكان أحق الناس بهذا الأمر أَبْرَهَة بن الصباح، و لكني أرى وترى "، و كان هذا كلاماً حازماً تلاقَّهُ عمرو من أبي موسى، و باعده به أبو موسى.
ثم غدا عليه بعد ذلك فقال : " يا أبى موسى إن قال قائل إن معاوية من الطلقاء، و إن أباه رأس الأحزاب، لم يبايعه المهاجرون والأنصار فقد صَدَقَ، و إذا قال إن علياً آوى قتلة عثمان، و قتل أنصاره يوم الجمل، و برز على أهل الشام بصفين فقد صدق، وفينا وفيكم بقية.