العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

الحكم بالظاهر على أهل الأحداث مِن قضايا التكليف

الجزء ١ · صفحة ٤٠٥

ألست تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - قال في الزانية التي أقام عليه الحد، لما عيبت عنده بفعلها القبيح، قال: " لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتُهُمْ " (1)، و في رواية " لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَوَسِعَتَهُ " (2) أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فإقامة الحدود لا تنافي الفوز للمحدود، فإن أحكام الله عز و جل لا تتبدل، و حكمته لا تتغير، لأن الذنوب لا تكون إلا من المكلفين، و إن المغفرة لا تكون إلا للعاصين، فلو لم توجد العصاة لم توجد المغفرة : " وَإِنِّي لَغَفَّارٌ [319] لِّمَن تَابَ " (3)، " وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " (4)، " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا " (5)، في أمثالهما من الآيات في الكتاب العزيز.

و على كل حال إنَّا مكلفون بإقامة حدود اللهِ _ عَزَّ و جَلَّ - في هذه الحياة الدنيا على عباد الله ؛ إن قارفوا مقتضها، و إلا ضللنا إذا و ما كُنَّا من المهتدين، لا يقال إن أولياء ا لله لا يعصون فيحدون، بل نقول كل ما يقع في الكون لحكمة، و ليس في شيء من ذلك عبث، و كل أفعاله تعالى تقع على مقتضى حكمته عَزَّ وعلا، و للدنيا أحكام تخالف أحكام الآخرة.

انظر مَنْ هم المستغفرون، و من هم المغفور لهم، و أين مصيرهم، و الدنيا دار عمل، و الآخرة دار جزاء، فهما ضَرَّتَانِ مختلفتا الأحكام.

وإن التوب يغسل العبد من الذنب، و إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، و الله أسرع لقبول توبة العبد من السيل في إنحداره من أعلى إلى أسفل.

٤٠٤ / ٤٧٢