العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

دعوى المتقاتلين على بعضهم بعضا لا تَصِحُّ بغير دليل

الجزء ١ · صفحة ٤١٩

فمعاوية يَتَذَرَّعُ إلى الناس بأَنَّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، و أنا أحق من يقوم على قاتله، و هو يعلم أن قاتله المهاجرون و الأنصار، و كان قتله عن تآمر و تشاور، إذ المسلمون ذلك الوقت متوافرون متظاهرون عن يد قوية، و كلمة موحدة، و تحت راية الحقِّ، و سبب القتل واضح غير مخفي، وشهرة حصاره بلغت حد لا مجال لآل عثمان في القول بشأنها أبداً، بل عليهم التسليم لأمر المسلمين،و الرضى بأحكام أهل الحقِّ، فإِنَّ معاوية نفسه علم ما يعدّ المسلمون على عثمان، و كان واجبه أن يكون للحقِّ، فإنه يعلو به في المسلمين مقاماً، و هو ابن الزعيم أبي سفيان أحد سادات قريش في الجاهلية، و ما زاده الإسلام إلا عِزَّاً على عزه، و شرفاً على شرفه.

و لكن حظوظ الآخرة شيء غير حظوظ الدنيوية.

و قول معاوية [331] أن علي بن أبي طالب لم يقم بالانتصاف من القاتلين كما يلزم، و الغرض من ذلك الدخول في حيطة الأمر، و شَقِّ عصى المسلمين، لعلمه أن علياً لا يتركه على الشام، و لا يَقِرُّهُ على عمله الحالي، و ربما لا يَقِرُّهُ على عمل من الأعمال، وإن تعلل بأن عمر استعمله فإن استعمال عمر له ينصهر به دماغه في أم رأسه، لا يقدر أن يَدَّعِي ما ليس له، أو يتعاطى أمراً لم يكن له في حال من الأحوال، فإنه إذا وصلت دعوته إلى عامل من عماله مهما كانت منزلته، و مهما كان مقامه، فإنه يكاد أن يذوب وَعْيُهُ إن كان يعهد من نفسه حدثاً، و لو لم يعلمه عمر، فيظل يسأل و يبحث حتى عن الهيئة التي يحب عمر أن يرى عليها عامله.

٤١٨ / ٤٧٢