دعوى المتقاتلين على بعضهم بعضا لا تَصِحُّ بغير دليل
الجزء ١ · صفحة ٤٢٠و لا تنسى مؤاخذته أبا سفيان عند رجوعه من زيارة ولده معاوية عما جاء به من عنده، على ملئ من الناس حتى فَكَّ خاتمه من إصبعه، و أرسل به إلى زوجة أبي سفيان باسم أبي سفيان أن أرسلي إلينا الخرجين بما فيهما، و كانت فيهما عطايا معاوية لأبيه، فأخذها لبيت المال هذا حال عمر مع عماله، فأنّى لأحد منهم الحراك في أي شيء يخالف مقتضى الشرع.
و يعلم معاوية دين علي و نزاهته، و قد رأى أعمال عمر، و أنه من الواجب السير على ذلك الدستور، و حاشا أن يرضى علي بن أبي طالب غير الحقِّ، فلهذا اتْخَذَّ معاوية طريقاً يَبسَاً، يروم منه أخذ نصيبه من الإمارة.
فستولى أولاً على قلوب البسطاء الذين لا يعرفون دين الله بل دين معاوية، و لا حق الإسلام إلا حق معاوية، فلما رأى تمكنه منهم، و انخراطهم تحت قدمه خضوعاً مطلقاً، قام على الإمام بتلك الدعاية الواهية،[332] التي يعلم أَنَّها ليس حجة مقبولة، و من ذا يقبلها من المسلمين، وقد أخرجوا عثمان من الدِّين، و لم يرضوا أن يدفن في مقابر المسلمين، بل دُفِنَ خارجاً عن البقيع، في مكان يقال له " حِشّ كَوْكَب "، و لم يشيعه أحدٌ من المسلمين إلا خدامه و خاصته، إلى هذا بَلَغَ الحال بعثمان.
و كان علي بن أبي طالب يعلم من معاوية ما يعلمه من أبي سفيان، فأراد معاوية مشاغلة الإمام متستراً بدم عثمان في أهل الشام الذين أصبحوا تحت راية معاوية، لا يسألون عما يأتي و عما يَذَر، و هو ينادي أن أمير المؤمنين قُتِلَ مظلوماً، فإذا سمعوه اندفعوا يبكون بكاء الثواكل، ويشهقون شهيق يقطع منهم الحناجر.
فإذا قال معاوية قولة في عثمان حاصوا له حَيْصَةَ (2) حمر الوحش، وهو لا يزال يردد بينهم مظلوم، وهو ولي عثمان أي الذي يقدر على أخذ الثأر من القاتل، وهم يُلَبُّونَ ما يقول.