الرد على من يفرق بين الحكاية والمحكي:
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦1- إن اختلاف المنطلقات الأساسية كلف علماء الأصول عناء كبيرا في هذه القضية، وأبرزها وجهة نظر كل فرقة إلى صفات البارئ سبحانه وتعالى ولذلك كثيرا ما يكون الجدل مفتعلا من البداية.
2- إن هذه القضية ظلت تتأرجح بين ثلاثة أسس: الأساس البلاغي، والأساس الفلسفي، والأساس العقائدي.
أ?) أما بالنسبة إلى الأساس البلاغي، وهو أبرز المحاور لأن معجزة القرآن في بلاغته قبل كل شيء، فالقضية تتمثل في علاقة اللفظ بالمعنى فمن ربط بينهما قال بقدم المعنى مع اختلاف في أنه كلام نفسي أو علم وبحدوث اللفظ. وقد جاءت أثناء الجدل عبارات الدال والمدلول والحكاية والمحكي وكذلك النظم وكل فرقة تجاذبت هذه العلاقة حسب تصورها الخاص داخل نظامها الفكري الذي تبنته حتى لا يقع تضارب بين عناصر ذلك النظام.
وأثيرت قضية أقسام الكلام بين الإنشاء والخبر، أو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، فإن صح القدم في الخبر فإنه لا يصح في الأمر إذ لا يجوز آمر بدون مأمور.
والملاحظ في كثير من مواطن الجدل أنك تخال أنك مع درس في البلاغة بعيدا عن الأصول لكن تدرك بعد حين أن البلاغة خادمة للغرض.
ب) أما الأساس الفلسفي- إن صح التعبير- فيتضح في قضية الكلام النفسي فالقائلون بالقدم انطلقوا من نصوص من القرآن والحديث واللغة ورأوا أن ما يدور في النفس من المعاني يمكن أن يعتبر كلاما بدليل ما يحدث في النفس من حوار داخلي واتخاذ مواقف وما إلى ذلك إلا أن المنكرين للكلام النفسي اعتبروا أن كل ذلك من باب العلم وانعكس هذا المفهوم البشري على الكلام الإلهي، فالله أيضا له كلام نفسي ويذهب هؤلاء إلى أنه يمكن أن يسمع وإن رأى آخرون أنه لا يمكن أن يسمع. فالقضية حينئذ فلسفية نظرية ولا يمكن أن تحل بموقف واحد بل لابد من أن تتعدد فيها المواقف فلا عجب إذا لاحظنا ذلك التشعب الجزئي أحيانا والكلي أحيانا أخرى.
والقضية ليست تجريبية حتى في المستوى البشري فكيف بها في المستوى الغيبي.