الباب الأول: في لزوم الجملة، وكيفية قيام الحجة بها
الجزء ١ · صفحة ٩٠اختلف العلماء في كيفية الإيمان بالجملة؛ فذهب بعضهم إلى أن كيفية الإيمان به أن يعتقد صدقها في جنانه، ويظهر( 26) ذلك إقراراً بلسانه وأنه لا يكون مؤمناً إلا بذلك فالتلفظ بالشهادتين عند هؤلاء شرط لوجود الإيمان، وذهب آخرون إلى أن الإيمان بها هو التصديق بها في القلب، فإذا اعتقد حقها بقلبه وصدقها بجنانه كان ذلك مجزياً له فيما بينه وبين ربه، فإن مات على ذلك فهو من جملة المؤمنين، وأما فيما بينه وبين الناس فإنه لا يكون مؤمناً حتى يتلفظ بالشهادتين ويلزمه التلفظ بهما إذا طولب بذلك، هذا إذا كان منكراً للجملة فيما تقدم من أمره أو شاكاً فيها أو جاهلاً بها بعد قيام الحجة عليه فيها، أما إذا لم يتقدم منه شيء من هذا كله، ولم يكن من أهل دار يحكم على أهلها بالشرك فلا يلزمه التلفظ بالشهادتين وإن طولب ولا يسع لأحد أن يحكم عليه بالشرك في عدم تلفظه بذلك، ولا يسعه أن يبرأ منه لذلك، نعم يندب له أن يتلفظ مهما طولب بذلك إذا لم يكن له مانع من التلفظ والله أعلم.
اختلف القائلون باشتراط التلفظ للإيمان بالجملة( 28)، فذهب بعضهم إلى أن التلفظ بها والتصديق بها مجزئ(29 ) مرة واحدة في عمره، ولا يلزمه تكرار ذلك ما لم يأت بحدث ينقض به إيمانه فيكون به مرتداً إلى الشرك بعد الإسلام، وذهب آخرون إلى أنه يجب تكرار الإيمان بها إذا جرى ذكر ذلك، وعند هؤلاء يجب على من كان موحداً أن يتلفظ بالشهادتين إذا طولب بذلك، ولكن يخرج على قواعدهم أنه إذا لم يجبهم إلى التلفظ بالشهادتين لا يسعهم أن يحكموا عليه بالشرك، وأن لا يبرأوا منه لذلك، ووجه ذلك: أن هذه المسألة اجتهادية، فلما أبى من التلفظ ولم يتقدم منه حالة يشرك به احتمل له أن يكون مذهبه عدم وجوب تكرار اللفظ أو أنه مقلد لمن لم يرد وجوب ذلك، ومع تمسكه بقول من أقوال المسلمين لا يحل لأحد أن يحكم عليه بالخروج من الدين.