بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الفصل الأول: في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله (تعالى)

الجزء ١ · صفحة ٩٩

قال في الضياء: »وبلغنا أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه مر بحلقة وفيهم رجل من اليهود يحدثهم؛ فقال: »ما يحدثكم؟« قالوا: »يحدثنا عن التوراة وعن ربنا«، قال: »وعن ربكم؛ بماذا؟« قالوا: يقول إن الله لما خلق السموات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس فوضع رجله على الصخرة التي فيه وإنه ينزل في السماء الدنيا في النصف من شعبان«.

فقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنا لله وإنا إليه راجعون »ثلاث مرات« ثم قال: لا كفر بعد إيمان (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء) فهلا قلتم كما قال إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم: (لا أحب الآفلين) أي الزائلين المنتقلين، ألا فاتهموا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدقوهم على ما يخالف كتابكم، فإنهم سيضلون أكثر هذه الأمة ألا إن ربكم ليس بزائل، ومن وصف الله زائلاً فقد كفر، ومن شبهه بشيء من الأشياء فقد كفر(16 ).

أي لم يزل تعالى ولا موجود سواه من جميع الأشياء، فهو تعالى منفرد بالقدم، والقدم واجب له تعالى فيستحيل عليه العدم لأن ما وجب قدمه استحال عدمه، وقوله: »وعالم..الخ«( 17) أي وهو عالم أي لم يزل تعالىمتصفاً بالعم من قبل وجود الأشياء فعلمه تعالى صفة ذاتية له، والهاء من قوله »من قبل أن يصنعه« عائدة إلى الشيء في قوله: »وليس شيء معه«، وقوله: »بكونه« متعلق بعالم، ومعنى »كونه« وجوده بعد عدم، أي لم تعالى وهو عالم بوجود الأشياء التي سيوجدها، وعالم بالزمان الذي سيوجدها فيه، وبالمكان الذي ستكون فيه، وعالم بلونها الذي ستتصف به، وعالم بصورتها التي يكون عليها شكلها من طول وقصر وعرض، وعالم بمصيرها الذي ستصير إليه بسبب أفعالها الحسنة، وبسبب أفعالها القبيحة، فالضمير من »كونه« ومن »لونه« ومن »شكله« وما بعدها كله عائد إلى الشيء في قوله: »وليس شيء معه«.

٩٩ / ٢٣٦