34سأذ 5 رمضان 1426هـ - 9 أكتوبر 2005م صححت
الجزء ١ · صفحة ٨ومع هذا فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يُمارِس إِمارةً مِن قَبْل، إذ لَم يَكن أميرا في قومِه وفي مُجتمَعِه، وإنَّما كان هو عليه أفضل الصلاة والسلام كسائرِ الناس، ولَم تَكن نفسُه تَطمَح إلى البُرُوز وإلى السيادَة وإلى المشارَكَة في القراراتِ القَبَلِية التي كانتْ تُتّخَذُ في مُجتمعِه، إذ لَم يُشارِك عليه أفضل الصلاة والسلام اللهم إلا في حِلْفِ الفُضُول لِما دَعاه إليه مِن خدمةِ مَصالِحِ المستضعَفِين في ذلك المجتمَع، فلذلك كان - صلى الله عليه وسلم - بعيدا كلَّ البُعد عن الإطلاعِ على الأَنظمة الدولية والإطلاع على مجرَيَات أمورِ الناس وما تَتَطَلَّبُه حياتُهم الاجتماعية وحياتُهم التشريعية، ومع ذلك نَزَلَ هذا القرآن عليه صلوات الله وسلامه عليه مُوَفِّيا لِحاجةِ الإنسانية .. فيه تبْيانُ كلِّ شيء .. وَضَعَ كلَّ شيْءٍ مَوْضِعَه وَبَوَّأَه مُبَوَّأَه، فأقامَ العلاقاتِ الاجتماعية، ووَضَعَ نِظاما ماليا لَم يَرْقَ إليه فِكْرُ بَشَرٍ قَط، إذ لَم يَصِل فِكْرُ بَشَرٍ إلى مِثل هذا النظام الذي جاء به القرآنُ الكريم مِن عندِ الله - سبحانه وتعالى - ، وهو دَلِيلٌ على أنَّه مِن عندِ الله .. الذي يَعلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى.
ونحنُ إذا جِئنا إلى نظامِ القرآن المالِي نَجِد العَجَب العُجاب، فهو نظامٌ يَنسَجِم تَمامَ الانسِجام مع الفِطْرَةِ البَشَرِية، إذ لَم يَحْرِم الفَرْد مِن التّمَلُّك ولكن جَعَلَ هذه الملكِية مُقَيَّدَة غيْرَ مُطْلَقَة، فهو يُخالِفُ بِهذا النظام الاشتِراكِي الذي يُذِيبُ الفَرْدَ في بوتَقَةِ المجتمَع، ويُخالِفُ-أيضا-النظام الرأسمالِي الذي يُعْطِي الفَرْدَ مُرادَه ولو كان ذلك على حِسابِ المجتمَع.