34سأذ 5 رمضان 1426هـ - 9 أكتوبر 2005م صححت
الجزء ١ · صفحة ١٦ج: القرآن الكريم نَزَلَ بِاللّسانِ العربِي .. الذي فيه الحقيقةُ والمَجاز، والصرِيحُ والكِنايَة، وجاءتْ كلِماتُه مُنسَجِمةً مع هذا الأسْلوب العربِي في التّعبِير، فلِذلك .. مِن كلِماتِه ما يَجِبُ أن يُحمَلَ على حقِيقَتِه لِعدَمِ إِمكانِ صَرْفِه عن الحقيقةِ إلى المَجاز، ومِن كلماتِه ما يَتَعَيَّنُ أن يُحمَلَ على المَجاز لأجْلِ وُجُودِ القَرائِن التي تَمنَعُ مِن إرادةِ الحقيقة.
والجمود على ظَواهِرِ الألفاظ مِن دونِ غَوْصٍ في المعانِي حتى يَصِلَ الإنسان إلى مُرادِ هذه العباراتِ القرآنية .. هذا الجمود يُعَدُّ في الحقيقة تَجَنِّيا على القرآنِ الكريم، فإنَّ الجمودَ على ظَواهِرِ الألفاظ قد يُؤدِّي بِالإنسان حتى إلى فَهْمِ أنَّ في القرآنِ تَناقُضا .. تَقَدَّسَ القرآن عن هذا التناقُض.
فمِن ذلك إذا قَرَأَ الإنسان قَوْلَ الله تبارك وتعالى: ﴿ … وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى … ﴾ [ سورة الأنفال، من الآية: 17 ] .. ماذا عَسى أن يَقول إن جَمَدَ على ظَواهِرِ الألفاظ .. في أَوَّل هذه العبارة نَفْي الرّمْي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. في وَسَطِها إِثْبات الرَّمْي له .. في آخِرِها إِسْنادُ الرَّمْي إلى الله تبارك وتعالى، فإذن كيف ؟! ﴿ … وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ … ﴾ .. مِن هنا نَفْي الرَّمْي وهنا إِثباتُ الرَّمْي له عليه أفضل الصلاة والسلام .. إنَّما يَجِب أن يُحْمَلَ كلُّ لفْظٍ على معناه الذي أُرِيدَ بِه: ﴿ … وَمَا رَمَيْتَ … ﴾ .. أي ما سَدَّدْتَ الرَّمْي .. ﴿ … إِذْ رَمَيْتَ … ﴾ .. إذ قُمْتَ بِالرَّمْي بِحسْب ظاهِرِ الفِعْل .. ﴿ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ﴾ .. أي الله-تبارك وتعالى-هو الذي سَدَّدَ هذا الرَّمْي .. هكذا يَجِب أن تُحْمَلَ هذه الألفاظ على هذه المعاني.