46سأذ 19 رمضان 1426هـ - 23 أكتوبر 2005م صححت
الجزء ١ · صفحة ٨فهكذا كانوا يعتَبِرُون عدم الإنفاق في الخمر مِن البُخل ومِن الشُح المذموم، وجاء الإسلام لِيُبْعِدَهم عن هذه العادات السيئة وهذه السَّفَاسِف التي كانوا فيها وأخذهم بالتدريج، فأَوَّلاً أنزل الله-تبارك وتعالى-في سورة النحل التي نَزَلَت بِمكة المكرمة: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا … ﴾ [ سورة النحل، من الآية: 67 ]، ذكر السَّكَر مِن غير أن يصفه بالحسن، وذكر الرزق فَوَصَفَه بالحسن، وفي هذا إشارة لطيفة إلى أنَّ هذا السَّكَر غير مَرضي عند الله - سبحانه وتعالى - ، ثم بعد ذلك في المدِينَة نَزَل قوله سبحانه: ﴿ يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا … ﴾ [ سورة البقرة، من الآية: 219 ]، لَم ينزل نص صريح قاطع، وإنَّما بَيَّن أنَّ في الخمر منافع ومَضَار، ولكن المنَافع قليلة والمضار كثيرة، والإثْم هو أكبَر مِن النفع، فلذلك فَطِنَ لِهذا مَن فطن فَفَهم أنَّ المراد حُرمَتُها، ومِنهم مَن قال نَشربُها لِما فيها مِن المنافع .. استَبْقوا شُربَها، ثم أُخِذُوا بعد ذلك بِمنعهم مِن شرب الخمر عند قُربِهم مِن الصَّلاة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا …